آخر الأخبار

السند الجبل: حين تعانق المغاور التاريخ في دورة المهرجان الـ 15

شارك

جليلة كلاعي تونس

بين ثنايا جبال الأطلس الصحراوي، حيث يمتزج عبق التاريخ بصلابة الصخور، تستعد قرية السند الجبل بجهة قفصة لاستعادة بريقها الثقافي من خلال الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي للمغاور الجبلية، المقررة أيام 26 و27 و28 مارس الجاري.
هذه التظاهرة ليست مجرد حدث عابر، بل هي وقفة إجلال لمكان استثنائي نجح في الحفاظ على هويته “التروجلوديتية” “(Troglodytique)” الفريدة منذ آلاف السنين، حيث تعكس المساكن المحفورة في قلب الجبل قصة صمود إنساني أبدع في طوع الطبيعة القاسية لتصبح مأوى دافئاً وملاذاً آمناً، وهو التراث الذي نال اعترافاً رسمياً بإدراجه ضمن قائمة التراث الوطني منذ عام 2022.

يأتي تنظيم هذه الدورة في سياق ملحمي، بعد أن نجحت الإرادة المحلية والجهوية في تجاوز الصعوبات المالية التي هددت بإلغائها، لتؤكد الدولة التونسية من خلال وزارتي الشؤون الثقافية والسياحة التزامها بإحياء السياحة الجبلية والبديلة في الجنوب الغربي. المهرجان يفتح ذراعيه للزوار والباحثين والمغامرين، مقدماً لهم تجربة غامرة تتجاوز حدود العرض الفلكلوري التقليدي؛ ففي أزقة السند الضيقة وبين فجوات صخورها، ستصدح أصوات القصبة وتتمايل أجساد الخيالة في لوحات فروسية تعيد للأذهان أمجاد القبائل البربرية القديمة.

ولن يقتصر المشهد على الفنون الأدائية، بل سيتحول الجبل إلى ورشة عمل مفتوحة يستعرض فيها الحرفيون مهاراتهم في نسج “المرقوم” السندي ذي الألوان الأرضية الدافئة، وتقطير الأعشاب الجبلية النادرة، وصناعة الحلفاء التي تعد عماد الاقتصاد المنزلي في المنطقة.


إن الزائر للسند خلال هذه الأيام الثلاثة سيعيش حالة من التصالح مع الذات والطبيعة، حيث توفر المسالك الجبلية المبرمجة فرصة نادرة لاستكشاف المغاور العميقة والاطلاع على تفاصيل الحياة اليومية لسكان الجبل الأوائل، والتمتع بإطلالات بانورامية ساحرة تطل على واحات قفصة الشاسعة.

هذا المهرجان يمثل اليوم قاطرة للتنمية المحلية، حيث يساهم في فك العزلة عن قرية السند الجبل وتسليط الضوء على كنوزها المخفية، مما يجعلها وجهة أساسية لكل من يبحث عن الأصالة بعيداً عن صخب المدن. ومع كل ليلة من ليالي المهرجان، ستمتزج الموسيقى العصرية بالألحان البدوية تحت ضوء القمر، لتعلن السند للعالم أنها لا تزال حارسة أمينة لذاكرة الجبل، ونابضة بحياة لا تنطفئ جذوتها مهما مرت العصور.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *