جليلة كلاعي تونس
في قلب “البلاد العربي” بتونس، وتحديداً حيث تفوح رائحة البخور ويمتزج عبق التاريخ بهدوء الأزقة، تقف “دار الدوْلاتلي” شامخة. هذا القصر الذي كان يوماً ما مصدر رهبة للمارين، تحول من مجمع لقرار “السيف” وسلطة الحكم، إلى واحة لـ”المالوف” وحاضنة لأرق الألحان التونسية.

يعود تاريخ هذه الدار إلى القرن السابع عشر، حيث كانت مقراً لـ “الداولاتلي”، وهو المسؤول العسكري والسياسي الرفيع في العهد العثماني. لسنوات طويلة، كانت هذه الجدران المزخرفة بـ”النقش حديدة” شاهدة على الدسائس السياسية، وتسيير شؤون الرعية، وقوة النفوذ التي ميزت أعيان المدينة. هندستها المعمارية، ببهوها الرخامي الفسيح وغرفها الموزعة بتناظر أندلسي، لم تكن مجرد سكن، بل كانت استعراضاً للجاه والسطوة.
مع تأسيس “المعهد الرشيدي” في ثلاثينيات القرن الماضي، بدأت الدار فصلاً جديداً من عمرها. لم يعد الصمت يخيّم على أرجائها، بل استُبدلت الأوامر الصارمة بأنغام “نوبات المالوف”. كان التحول رمزياً بامتياز؛ فالمكان الذي كان يمثل سلطة “الداي” و”الباي”، أصبح ملكاً للشعب ولتراثه اللامادي، في خطوة استباقية لحماية الهوية التونسية من التهميش الثقافي إبان الاستعمار.
اليوم، حين تدخل دار الدوْلاتلي، لا تسمع وقع حوافر خيول الحرس، بل تتردد في أذنيك أصوات كبار الفنانين الذين مروا من هنا، أمثال خميس الترنان وصليحة. تحول القصر من “مركز قرار” إلى “مختبر إبداع”، حيث تُدرس المقامات وتُحفظ الموشحات، وتُصان الذاكرة الجماعية للتونسيين.
لا تكتمل صورة دار الدوْلاتلي دون التوقف عند عبقرية معمارها الذي صُمم ليكون صدىً للجاه. عند تجاوز “السقيفة” (المدخل المتعرج الذي يحفظ خصوصية الدار)، يستقبلك الصحن الفسيح المبلط برخام “الكارار” الأبيض الناصع.
ما يميز الدار معمارياً هو “النقش حديدة”؛ تلك الزخارف الجبسية الأندلسية التي تغطي أعالي الجدران والتي لم تكن مجرد زينة، بل كانت تعمل كعازل طبيعي للصوت ومشتت للصدى، مما جعل القاعات (مثل “القبو”) تمتلك “أكوستيك” طبيعياً مثالياً لبروفات الفرق الموسيقية الرشيدية. السقوف الخشبية المزدانة بـ**”المذهب”** والألوان النباتية تحكي قصة ثراء أصحابها الأوائل، قبل أن تصبح سقفاً يحمي آلات العود والقانون التونسية.
يقول قدماء الموسيقيين في المعهد الرشيدي إن للدار “رهبة” خاصة لا توجد في القاعات الحديثة. يروي البعض كيف كان الشيخ خميس الترنان يجلس في “المجلس” المطل على الصحن، وكيف كانت جدران الدار تهتز ببحّة صوت “صليحة” وهي تؤدي “الفراق غصبن عني”.
تعتبر الدار في ذاكرة الفنانين التونسيين أكثر من مجرد مدرسة؛ إنها “زاوية فنية”. يقول أحد العازفين المخضرمين: “الدخول إلى دار الدوْلاتلي ليس كالدخول إلى أي معهد، أنت هنا تستنشق رائحة التاريخ مع كل نوتة موسيقية. الرخام البارد تحت أقدامنا كان يدفأ بحرارة الألحان التي أخرجت المالوف من النسيان إلى العالمية”.
هذه الشهادات تؤكد أن انتقال الدار من “مركز نفوذ” إلى “مقر للرشيدية” لم يكن مجرد تغيير في الوظيفة الإدارية، بل كان عملية إحياء. فلو ظلت الدار مقراً للسلطة، لربما أصبحت مجرد متحف جامد، لكن اختيارها كحاضنة للموسيقى جعلها كائناً حياً يتنفس مع كل دقة طار أو رنة وتر.
لا تمثل دار الدوْلاتلي اليوم مجرد جدران صماء أو أطلال باذخة، بل هي “قلب تونس النابض” الذي يأبى التوقف. في وقت تتسارع فيه وتيرة العولمة وتكاد الأنغام الهجينة تطغى على الأصالة، يظل هذا القصر العتيق بمثابة “قلعة الصمود الثقافي”.
إن التحدي الذي يواجه “الرشيدية” اليوم داخل هذه الدار، لا يقتصر على تعليم المقامات، بل في كيفية نقل تلك “الروح” التي تسكن الرخام والنقش حديدة إلى الأجيال الجديدة. فالمكان الذي صمد أمام تقلبات السلطة منذ العهد العثماني، يواجه اليوم معركة الحفاظ على المالوف كفن حيّ وليس كقطعة متحفية.

رحلة دار الدوْلاتلي من “ديوان الحاكم” إلى “محراب الفن” هي رسالة بليغة لكل من يمر بنهج الدريبية: السلطة قد تبني القصور، لكن الفن هو وحده من يمنحها الخلود. ستبقى أوتار العود في رباها أقوى من صليل السيوف القديمة، وسيبقى صوت “صليحة” و”الترنان” يتردد في أرجائها، مذكراً الجميع بأن تونس، وإن تغيرت الوجوه والحكام، تظل وفية لنغمتها الأولى.



