جليلة كلاعي ـ تونس
في غمرة الأجواء الرمضانية الساحرة التي تلفّ أزقة المدينة العتيقة بنسمات من الروحانية والجمال، وحيث يتعانق عبق التاريخ مع تراتيل المآذن، تبرز مكتبة “فضاء الديوان” كشاهد حيّ وكنز معرفي لا يكتفي بحفظ المجلدات، بل يصنع الحدث الثقافي في قلب تونس النابض.
فبموقعها الاستراتيجي المتاخم لجامع الزيتونة المعمور، ذلك الصرح الشامخ الذي يضيء دروب المدينة بمئذنته وصومعته وأبوابه المشرعة على الحضارة، انطلقت أسرة المكتبة في رحلة استثنائية، محولةً اللحظة إلى حكاية وجولة تاريخية جمعت فريق العمل في رحاب واحدة من أجمل الديار التونسية الأصيلة، “دار لالا السيدة” بمعقل الزعيم، ليعيش الجميع أمسية فكرية وثقافية وعلمية، صاغ تفاصيلها بامتياز واقتدار الدكتور مراد الزبيدي.
وقد استرسل الدكتور الزبيدي بطلاقة لافتة وعفوية آسرة في استحضار سيرة الولي الصالح “سيدي أبي الغيث القشاش”، مصححاً بوعي المؤرخ وبصيرة الباحث الكثير من المفاهيم حول هذا العَلَم، ومستعرضاً دوره التاريخي والاجتماعي الفارق. فالمتأمل في سيرة “القشاش” يدرك أنه لم يكن مجرد زاهد في خلوته، بل كان “شيخ الأندلسيين الأواخر” بامتياز، والشخصية التي لعبت دوراً محورياً في إيواء وحماية الموجات المهاجرة من الأندلسيين الفارين من بطش الظلم الإسباني آنذاك.
لقد كان صدره وداره ومكانته ملاذاً آمناً لمن ضاقت بهم الأرض، مما جعل من ذكره جزءاً لا يتجزأ من ملحمة التضامن الإنساني في تاريخ تونس الجليل، ومحطة رئيسية في فهم النسيج الاجتماعي المعقد والراقي للمدينة العتيقة.
لم تكن هذه الأمسية مجرد سرد للمعلومات الجافة، بل كانت رحلة وجدانية تضمنت سلسلة من الحقائق التاريخية القيمة التي تليق بعظمة تونس وتاريخها، حيث امتزجت روعة المعمار في “دار لالا السيدة” بجمالية الطرح الفكري للدكتور الزبيدي.

لقد استطاع الحاضرون من خلال هذا اللقاء استعادة روح المدينة العتيقة في أبهى تجلياتها، مؤكدين على أن مكتبة “فضاء الديوان” تظل دائماً في طليعة المؤسسات التي تحيي الذاكرة الوطنية وتعيد الاعتبار لرموزنا الصالحة، موثقةً في كل محفل أن الثقافة هي الجسر المتين الذي يربط بين عراقة الماضي وإشراقات الحاضر، لتظل تونس دوماً منارة للعلم والرحمة والجمال.



