آخر الأخبار

على ضفاف نهر “ليانغما” ببكين.. تونسيون يصنعون رمضان بطعم الوطن

شارك

جليلة كلاعي تونس

على ضفاف نهر “ليانغما” الهادئ الذي يشق قلب العاصمة الصينية بكين، لم تعد المياه وحدها هي ما يتدفق، بل سرت في أرجائه روح تونسية بامتياز، حيث اجتمع عشرات التونسيين المقيمين هناك لكسر طوق الغربة وصناعة رمضان “بطعم الوطن”. في مشهد يجمع بين سحر الشرق الأقصى ودفء المغرب العربي، تحولت ضفاف النهر إلى مائدة مفتوحة تضج بلكنة تونسية وأصوات الضحكات التي غيبتها مسافات السفر الطويلة، محولةً ركناً قصياً من الصين إلى ساحة تونسية تنبض بالحياة، وتعيد رسم ملامح “اللمّة” التي تفتقدها الغربة.
ومع اقتراب موعد الإفطار، تتسابق الأيادي لتجهيز ما جادت به “اللمة”؛ هنا يوضع “البريك” الساخن، وهناك تفوح رائحة “الشربة” التي أعدت بعناية لتنافس في مذاقها ما تصنعه الأمهات في بيوت تونس العتيقة.
ولم يغب “الكسكسي” عن المشهد ليكون سيد المائدة وشاهداً على تمسك هؤلاء الشباب بجذورهم مهما ابتعدوا.
هذه التجمعات العفوية لم تكن مجرد وجبة طعام عابرة، بل كانت محاولة واعية لاستعادة تفاصيل الحياة اليومية، من عبق البخور الذي يملأ المكان إلى أحاديث “البلاد” وشجونها، مما خلق حالة من الألفة التي خففت كثيراً من وطأة البعد القسري عن الأهل والديار.
هذا المشهد الفريد لم يمر مرور الكرام أمام المارّة من الصينيين والسياح، الذين توقفوا مبهورين أمام طقوس اجتماعية لم يعهدوها في صخب حياتهم اليومية.
جذبهم فضول الاكتشاف نحو تلك الموائد العامرة، فاقتربوا بابتسامات خجولة سرعان ما تحولت إلى مشاركة فعلية بعد أن بادرهم التونسيون بدعوات الكرم المعهودة.
كان من اللافت رؤية مواطنين صينيين يتذوقون “البريك” لأول مرة، مستفسرين بفضول عن مكوناته وسر قرمشته، بينما انشغل آخرون بالاستفسار عن فلسفة “رمضان” وقيمة الصيام والتعاون، لتتحول ضفاف النهر إلى جسر ثقافي حي يربط بين حضارتين عريقتين تلتقيان في قيم العطاء.

أبدى الجمهور الصيني إعجاباً كبيراً بروح الجماعة والتضامن التي أظهرها التونسيون، حيث لم تكن المائدة للطعام فقط، بل كانت منصة عفوية للتعريف بالهوية التونسية؛ فبين شروحات عن “الجبة” واللباس التقليدي الذي اختار البعض ارتداءه، وبين نغمات الموسيقى التونسية الهادئة التي انبعثت من هواتف الحاضرين، اندمج الصينيون في الأجواء والتقطوا الصور التذكارية، معبرين عن دهشتهم من قدرة هؤلاء المهاجرين على نقل “روح تونس” معهم في حقائبهم وتفاصيل موائدهم اليومية.

وبينما كانت أضواء ناطحات السحاب في بكين تنعكس على مياه النهر، كان التونسيون يرتشفون “الشاي بالبندق” في ختام إفطارهم وسط حلقة من الأصدقاء الجدد من أهل البلد المضيف، مؤكدين أن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية صماء، بل هو كائن حي يسكن القلوب وينتقل عبر الموائد والحكايات.

لقد أثبت هؤلاء التونسيون أن الكرم والضيافة هما لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، وأن نهر “ليانغما” الصيني بات يتدفق، ولو لموسم واحد، بعبير الياسمين وبنكهة تونس الخضراء التي تأبى أن تغيب عن بال أبنائها مهما طال السفر.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *