آخر الأخبار

الوسط الغربي التونسي: كنز “الآثار والطبيعة” يفتح أبوابه للسياحة البديلة

شارك

جليلة كلاعي – تونس

بينما اعتاد العالم على صورة تونس الساحلية بشواطئها الفيروزية، تبرز اليوم وجهة أخرى تخطف الأنفاس في عمق البلاد؛ إنه الوسط الغربي التونسي. ولايات القيروان، القصرين، وسيدي بوزيد، التي كانت تُعرف بكونها خزان التاريخ والزراعة، تتحول اليوم إلى عاصمة جديدة لـ “السياحة البديلة” في المنطقة العربية، مقدمةً تجربة فريدة تجمع بين عبق الحضارات وسحر الطبيعة البكر.

القيروان.. حيث يبدأ التاريخ
لا يمكن الحديث عن الوسط الغربي دون الانحناء أمام جلال القيروان، أول مدينة إسلامية في المغرب العربي. اليوم، لا تكتفي القيروان بجامع عقبة بن نافع المصنف ضمن التراث العالمي، بل تطلق مشروعاً ضخماً لتطوير “فسقية الأغالبة” وحدائقها بتكلفة ناهزت 246 مليون دينار، لتحويلها إلى قطب ترفيهي وثقافي عالمي يجذب العائلات والسياح الباحثين عن الأصالة

 

سبيطلة.. روما المصغرة في قلب تونسوعلى بعد مسافة قصيرة، تستقبلك القصرين بموقع “سبيطلة” الأثري (Sufetula). هنا، تقف المعابد الرومانية الثلاثة الوحيدة في العالم التي لا تزال محتفظة بكيانها المتحد. الجهود التونسية الحالية لا تركز فقط على الحجر، بل على “البشر” أيضاً، من خلال مشروع “Visit Tunisia” الذي يدعم الشباب المحليين لإنشاء دور ضيافة (Guest Houses) ومسالك للمشي الجبلي في جبل الشعانبي، مما يوفر للسائح العربي تجربة “سياحة المغامرة” في أمان تام.
السياحة الإيكولوجية: مستقبل “سيدي بوزيد”
أما في سيدي بوزيد، فالمراهنة اليوم على “السياحة الفلاحية”. حيث تفتح الضيعات الكبرى أبوابها للزوار لتجربة جني الزيتون وتذوق المنتجات المحلية الأصيلة. هذا النمط من السياحة البديلة يلقى رواجاً كبيراً لدى السياح العرب والأجانب الذين يبحثون عن الهدوء والهروب من صخب المدن الكبرى.
مهرجانات تمنح الحجر “روحاً”: نبض الثقافة في الوسط الغربي


لا تكتمل التجربة السياحية في هذه الربوع دون الانغماس في أجوائها الاحتفالية، حيث تتحول المواقع الأثرية إلى مسارح مفتوحة تحتضن أعرق المهرجانات:

* مهرجان سبيطلة الدولي (القصرين): في قلب “فوروم” المدينة الأثرية، تُقام العروض الموسيقية والمسرحية العالمية تحت أضواء المعابد الرومانية الشامخة.
* احتفالات المولد النبوي الشريف (القيروان): تتحول “عاصمة الأغالبة” إلى قبلة لملايين الزوار، حيث تمتزج رائحة البخور بأصوات المدائح في جامع عقبة، في تظاهرة دينية وسياحية فريدة.
* مهرجان ربيع سبيطلة الدولي: تظاهرة تراهن على “سياحة الفكر والأدب”، وتستقطب المبدعين العرب في أحضان الطبيعة الجبلية.
* المهرجانات الرعوية (سيدي بوزيد): احتفالات شعبية تحتفي بخيرات الأرض وتقدم للسائح فرصة ذهبية لمشاركة الأهالي فنونهم “البدوية” الأصيلة.

 

استراتيجية 2026: الاستثمار في البدائل
تؤكد الأرقام الرسمية أن تونس تجاوزت حاجز الـ 8 مليارات دينار من العائدات السياحية بنهاية 2025، وجزء كبير من هذا النجاح يعود إلى تنويع العَرض.

الدولة التونسية تعمل حالياً على هيكلة أكثر من 2200 منشأة سياحية ريفية وعائلية، لضمان معايير جودة عالمية في قلب المناطق الجبلية والريفية، مما يقلص الفوارق بين الساحل والداخل.

إن الوسط الغربي التونسي ليس مجرد وجهة عابرة، بل هو دعوة للسفر عبر الزمن. فمن “مقروض” القيروان الشهير، إلى زيت زيتون سيدي بوزيد، وصولاً إلى آثار سبيطلة الشامخة، ينتظر السائح العربي في تونس كنزٌ لم يُكتشف بالكامل بعد.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *