جليلة كلاعي تونس
في قلب الجنوب الشرقي التونسي، حيث تلتقي هيبة التاريخ بعبقرية الطبيعة، وُلد فصلٌ جديد من فصول المجد السياحي العربي مع الإعلان الرسمي عن إدراج “الحديقة الجيولوجية الظاهر” ضمن قائمة الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو. هذا الاعتراف الدولي ليس مجرد شهادة لجودة المواقع، بل هو استعادة لذاكرة الأرض التي تمتد في هذه المنطقة إلى ملايين السنين، لتقدم للعالم متحفاً مفتوحاً يمتد على مساحة ستة آلاف كيلومتر مربع، حيث تروي صخور تطاوين ومدنين وقابس قصة كوكبنا منذ العصور الغابرة وحتى يومنا هذا، ممتزجةً بروح الضيافة التونسية الأصيلة التي لم تبدل تبديلاً.

إن ما يميز “جيو بارك الظاهر” ويجعله وجهة استثنائية على الخارطة العالمية، هو ذلك التناغم المذهل بين التراث الجيولوجي الخام والحياة البشرية الضاربة في القدم، فالمسافر عبر هذه الحديقة لا يكتشف فقط أسرار الحفريات وبقايا الديناصورات التي استوطنت المنطقة يوماً، بل يغوص في أعماق القرى الجبلية والقصور الصحراوية التي نحتتها يد الإنسان التونسي في قلب الجبل ببراعة أذهلت العصور، ليتحول المشهد من مجرد تضاريس طبيعية إلى تجربة روحية وثقافية متكاملة تلامس الوجدان، وتدعو السائح العربي والعالمي لاستكشاف فلسفة البقاء والجمال في أقسى الظروف الطبيعية وأكثرها سحراً.

هذا التتويج العالمي يفتح اليوم آفاقاً رحبة للسياحة البديلة والمستدامة في تونس، حيث تتحول الحديقة إلى مختبر حيّ للباحثين وملاذ لعشاق المغامرة والهدوء بعيداً عن صخب المدن، إذ توفر مسارات “الظاهر” تجربة سياحية “بطيئة” تمنح الزائر فرصة التأمل في عظمة الخالق وإبداع الطبيعة، مع الانخراط المباشر في حياة المجتمعات المحلية ودعم اقتصادها، مما يجعل من زيارة هذا الموقع رحلة في الزمن، واحتفاءً بهوية تونسية صلبة كصخور جبالها، ودافئة كشمس صحرائها، لتكون “الظاهر” اليوم درة التاج في السياحة الجيولوجية العربية بلا منازع.

ولعلّ أمتع ما يمكن للزائر القيام به هو الانطلاق في مسارات “الظاهر” المصممة بعناية، فمن “مسار الديناصورات” في تطاوين، حيث تتبع آثار أقدام كائنات من عصور ما قبل التاريخ، إلى “مسار القرى والقصور” الذي يربط بين شنني ودويرات، ستجد نفسك أمام لوحات حية من المعمار الجبلي الفريد، وصولاً إلى توجان في قابس، حيث السكينة المطلقة وأصالة الصناعات التقليدية.

إنها دعوة مفتوحة لكل باحث عن الدهشة، ليقف على تخوم الصحراء ويسمع صدى ملايين السنين يتردد بين الجبال، معلناً أن تونس ليست مجرد وجهة، بل هي جوهر الأرض وذاكرتها الحية.



