جليلة كلاعي تونس
ي الثامن من آذار، يتجاوز اليوم العالمي للمرأة حدود الاحتفالية الرمزية ليتحول إلى منصة حية لمساءلة السياسات ومراجعة المسارات التي تحكم واقع نصف المجتمع. إن القضية اليوم لم تعد تتعلق بمجرد الاعتراف بحقوق المرأة، بل بكيفية ترجمة هذا الاعتراف إلى واقع ملموس يكسر “السقف الزجاجي” الذي لا يزال يحول دون وصول الكفاءات النسائية إلى مواقع صنع القرار الحقيقية.

إن تمكين المرأة من قيادة المؤسسات السياسية والاقتصادية ليس مجرد استجابة لضغوط حقوقية، بل هو ضرورة استراتيجية أثبتت الدراسات أنها ترفع من كفاءة الإنتاجية وتضمن تنوعاً في الرؤى يؤدي إلى قرارات أكثر شمولاً واستدامة.
ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح القيادي بواقع “العبء المزدوج” الذي يمثل العائق الهيكلي الأبرز في مسيرة المرأة المهنية. ففي الوقت الذي تقتحم فيه النساء سوق العمل بكفاءة عالية، يجدن أنفسهن محاصرات بمسؤوليات منزلية ورعائية غير مدفوعة الأجر، تُلقى على عاتقهن بشكل تقليدي وغير عادل.

هذا الاختلال في توزيع الأدوار داخل الفضاء الخاص ينسحب بآثاره على الفضاء العام، حيث تضطر الكثير من الكفاءات النسائية للتضحية بفرص الترقي أو الانسحاب من المشهد المهني نتيجة الإرهاق وتراكم الضغوط. إن معالجة هذه التداعيات تتطلب حزمة من الإجراءات المتكاملة، تبدأ من تشريع قوانين عمل عصرية تدعم المرونة وتضمن المساواة في الأجور، ولا تنتهي عند توفير بنية تحتية قوية لدور الرعاية والحضانات.

إن الانتقال نحو مجتمع متوازن يتطلب شجاعة في طرح القضايا المسكوت عنها، وعلى رأسها ضرورة إعادة صياغة العقد الاجتماعي داخل الأسرة ليكون قائماً على الشراكة الكاملة لا على مساعدة طرف لآخر.

إن تمكين المرأة هو في جوهره تمكين للمجتمع بأسره؛ فعندما تتحرر المرأة من قيود الأعباء التقليدية وتُمنح الأدوات اللازمة لصناعة القرار، فإنها لا تخدم قضاياها فحسب، بل تساهم في بناء اقتصاد أكثر قوة ومجتمع أكثر استقراراً وعدلاً. إن اليوم العالمي للمرأة هو دعوة مستمرة لتغيير الثقافة المجتمعية التي لا تزال تحصر المرأة في قوالب نمطية، والانتقال نحو أفق تكون فيه الكفاءة هي المعيار الوحيد للريادة.



