جليلة كلاعي تونس
تحت ظلال قصر المعارض بالكرم، تفتح تونس ذراعيها مجدداً لعشاق الحرف في الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب، وهي دورة تتجاوز في جوهرها مجرد العرض التجاري للكتب لتصبح تظاهرة ثقافية عالمية تكرس دور تونس كجسر للتواصل بين الحضارات.
فبمشاركة نحو 349 ناشراً جاءوا من 25 دولة، يتحول المعرض إلى خلية نحل فكرية تزدحم فيها الأفكار وتتلاقى فيها الألسن، حيث يعرض أكثر من 109 آلاف عنوان تروي قصصاً وتاريخاً وعلوماً تجسد نتاج العقل البشري في أبهى تجلياته، مما يعزز موقع تونس كمنارة ثقافية رائدة في المنطقة العربية والمتوسطية.
وفي لفتة أخلاقية وإنسانية عميقة، اختارت هذه النسخة أن ترفع شعار “وفاءً لفلسطين”، لتعلن من قلب تونس أن الكلمة كانت ولا تزال سلاحاً للمقاومة ووسيلة لاسترداد الحقوق.
هذا التوجه جعل من المعرض منبراً لنصرة القضايا العادلة، حيث امتزجت الندوات الفكرية بالأمسيات الشعرية التي تغنت بالحرية، لتؤكد أن الكتاب ليس وعاءً للمعلومات فحسب، بل هو ضمير حي ينبض بهموم الشعوب وتطلعاتها.
وقد زاد من ثراء هذا المشهد الحضور الإيطالي كضيف شرف، بما يحمله من إرث تاريخي مشترك وعلاقات ثقافية ضاربة في القدم، مما خلق حواراً فريداً بين ضفتي المتوسط.

إن التجول في أروقة المعرض هذا العام يمنح الزائر تجربة استثنائية تجمع بين عبق الورق وحداثة الرؤية، حيث تم تنظيم أكثر من 280 فعالية ثقافية استهدفت كافة الفئات العمرية، مع تركيز خاص على الناشئة لربطهم بالهوية والقراءة في زمن الرقمنة.
ومع استضافة إندونيسيا كضيف شرف في دورات سابقة وهذا الانفتاح المستمر على تجارب الشرق والغرب، يثبت معرض تونس الدولي للكتاب أنه ليس مجرد موعد سنوي، بل هو احتفاء بالحرية الفكرية وتأكيد على أن الثقافة هي القوة الناعمة القادرة على صياغة مستقبل أكثر إشراقاً وتسامحاً للجميع.



