الذهب الوردي التونسي: عبيرٌ ينسجُ ذاكرة الأرض ويقودُ طموحَ الاقتصاد

شارك

جليلة كلاعي تونس

تُعتبر تونس واحدة من الوجهات القليلة التي تفوح فيها رائحة التاريخ بقدر ما تعبق بعبير زهورها، حيث يشكل قطاع الورد فيها جسراً ممتداً بين الذاكرة الشعبية والآفاق الاقتصادية الواعدة.


هذا المورد الذي تتركز جُلّ حقوله في ولاية القيروان، القلب النابض لزراعة “الورد الدمشقي”، ليس مجرد نشاط زراعي عابر، بل هو فلسفة حياة تترجم علاقة التونسي بأرضه، حيث تتحول المساحات الممتدة على مئات الهكتارات في فصل الربيع إلى لوحة وردية تختزل ثروة عطرية تضع البلاد في مصاف المنتجين المتميزين للمواد الأولية الفاخرة الموجهة لصناعات العطور والتجميل العالمية.

إن القيمة المضافة لهذا القطاع تتجاوز منطق البيع المباشر لتستقر في عمق الصناعات التحويلية، فمن قطرات “ماء الورد” المقطر تقليدياً في البيوت والورشات، إلى استخلاص الزيوت الأساسية النادرة، يبرز الورد كمنتج استراتيجي قادر على دفع عجلة التنمية المحلية.

هذا العبير الذي يسافر من القيروان ونابل وأريانة ليغزو كبرى دور العطور في باريس، يمثل قوة ناعمة للاقتصاد التونسي، حيث يجمع بين جودة المنتج “البيولوجي” الطبيعي وبين المهارة اليدوية المتوارثة التي تمنح الزيت العطري التونسي بصمة فريدة يصعب تكرارها في مختبرات العالم الحديث.

ورغم هذا البريق العطري، يقف القطاع أمام تحديات هيكلية تفرضها التحولات المناخية القاسية، حيث بات شبح الجفاف يهدد استمرارية هذه المزارع التاريخية، مما يفرض ضرورة تبني سياسات مائية ذكية وتقنيات ري حديثة تحافظ على ديمومة “الذهب الوردي”.
كما يواجه الحرفيون والفلاحون الصغار صعوبات في الترويج الدولي المباشر، مما يجعل الحاجة ملحة لهيكلة هذا النشاط ضمن تعاونيات كبرى تضمن حماية المنتج من المضاربات، وتدفع نحو تحويل تونس من مصدر للمادة الخام إلى قطب صناعي متكامل ينتج العلامات التجارية التجميلية الخاصة به.

إن استشراف مستقبل الورد في تونس يتطلب مزيجاً من الوفاء للأصالة والجرأة في التحديث، من خلال تثمين “سياحة الزهور” التي تجذب الزوار من مختلف أصقاع الأرض لمواكبة مواسم الجني والتقطير، وتحويل هذه التجربة الحسية إلى منتج سياحي واقتصادي متكامل.

فالمسألة اليوم لم تعد تتعلق بمجرد قطف زهرة، بل بكيفية صيانة إرث حضاري وتحويله إلى محرك اقتصادي مستدام يضمن لتونس مكانتها المرموقة في خارطة العطور العالمية، ليبقى الورد التونسي شاهداً على قدرة الطبيعة على العطاء رغم قسوة التحديات.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *