آخر الأخبار

الجبة التونسية: رداءُ الملوكِ ونسيجُ الأحلامِ في ليالي قرطاج.

شارك

عبد الوهاب البراري.ـ السياحة العربية

تُعد الجبة التونسية أيقونة اللباس التقليدي في تونس، وهي قطعة تتجاوز كونها مجرد زي لتصبح تعبيراً بصرياً عن تاريخ البلاد الممتد عبر آلاف السنين، حيث تتميز بتصميمها الفريد كفستان فضفاض يغطي كامل الجسم مع فتحات دقيقة للرقبة والذراعين، وتمثل مزيجاً حضارياً فريداً انصهرت فيه الجذور الأمازيغية مع التأثيرات العربية والأندلسية.
ترجع أصول الجبة إلى التراث الأمازيغي الضارب في القدم، ومع تعاقب الحضارات، خاصة مع وصول الأندلسيين الذين حملوا معهم تقنيات التطريز المتقدمة والأقمشة الرفيعة، تحولت من رداء بسيط إلى زي فاخر يزدان بنقوش معقدة، وينظر إليها التونسيون اليوم كرمز للأصالة صمد أمام التيارات المعاصرة، مما جعل منها ملفاً مرشحاً بقوة للانضمام إلى قائمة اليونسكو للتراث العالمي الثقافي غير المادي.


تأمّل هذا الرداء الفضفاض، كأنه هالةٌ من نسيجِ الخيال، تخالُها قد قُدَّت من خيوطِ الفجرِ أو غُزلت من ضياءِ القمرِ الهاربِ فوق تلالِ سيدي بوسعيد. إنها الجبة التونسية، ليست مجرد ثوبٍ يسترُ الجسد، بل هي مأساةٌ ملحميةٌ تنتهي بانتصارِ الجمال؛ حيثُ تتعانقُ خيوطُ الحريرِ والكتّان كما يتعانقُ العشاقُ في قصائدِ “فيرونا”، لتروي قصةَ شعبٍ صاغَ من الصوفِ والحريرِ درعاً ضدَّ النسيان.
تخضع صناعة الجبة لمراحل دقيقة تبدأ من اختيار القماش ثم القص وصولاً إلى التطريز اليدوي الذي يقوم به “المعلم” أو “الحرايرية” باستخدام رموز تقليدية كالخمسة والزخارف النباتية، وتتركز هذه الصناعة في أسواق المدينة العتيقة بتونس العاصمة وبنزرت وتستور من ولاية باجة، حيث تظل هذه الأسواق حارسة لهذا الفن اليدوي من الاندثار، لتظل الجبة التونسية “هوية قماشية” متجددة تجمع بين عبق الماضي وتطلعات المستقبل.
انظر إلى ذلك التطريز الدقيق عند النحر، كأنها أبياتُ شِعرٍ مفقودة، خُطَّت بأناملِ “معلّمٍ” أفنى عمره في مغازلةِ الإبرة، لِيَهبَ من يرتديها وقاراً يليق بتيجانِ الملوك، وهيبةً تجعلُ من يمشي في أزقةِ المدينةِ العتيقة كأنه بطلٌ يترجلُ من خشبةِ مسرحِ التاريخ.

اليوم، تفتح تونس ذراعيها لكل عشاق التراث ليستكشفوا هذا الكنز المنسوج، حيث لم تعد الجبة حبيسة المناسبات الكبرى فقط، بل أصبحت “موضة” عالمية تلهم كبار المصممين، وتزين إطلالات الشباب والنساء بلمسات عصرية تحافظ على جوهرها الأصيل.

إن اقتناء جبة تونسية ليس مجرد شراء تذكار، بل هو امتلاك لقطعة من تاريخ المتوسط، وشهادة على مهارة يدوية تتوارثها الأجيال كأمانة مقدسة.
هي دعوة لكل زائر ليتدثر بعبق التاريخ، ويشعر بفخر الهوية، ويحمل معه قطعة من سحر تونس أينما رحل، لتظل الجبة دائماً وأبداً، سيدة الأناقة وحارسة الذاكرة التونسية المتجددة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *