بقلم ـ أحمد الزهراني
السقا والبازان والتحلية تختزن الكثير من الذكريات القديمة في زوايا القلب التي لا يطالها النسيان حيث تبقى الضحكات همسًا خافتًا، وتسكن اللحظات كأنها لم ترحل يوما نعود إليها كلما ضاقت بنا الأيام، فنجد فيها دفئًا يشبه البدايات، وتلمع بين طياتها وجوهٌ رحلت… لكنها ما زالت هنا، بين نبضةٍ وحنين. نغلق أعيننا قليلًا لنستعيد تفاصيلها، كأن الزمن ينحني احترامًا لتلك اللحظات. نلمسها بخيالنا، فنسمع أصواتًا غابت، ونشعر بيدٍ كانت يومًا تمسك بأيدينا، وبقلبٍ كان يعرف كيف يطمئننا دون كلام.
تلك الذكريات ليست مجرد صور عابرة، بل هي جزءٌ منا، تسكننا بقدر ما نسكنها، تشكّلنا وتعيد ترتيب أرواحنا كلما بعثرها التعب. وربما لهذا نبتسم وسط الحنين، لأننا ندرك أن ما مضى، رغم غيابه، ما زال حيًا فينا… يمنحنا قوةً خفية لنكمل الطريق.
وفي زحمة الحاضر، نظل نبحث عن شيءٍ يشبه تلك البدايات، عن صدقٍ بسيط، عن لحظةٍ خالية من التعقيد، عن شعورٍ دافئ لا يُشترى ولا يُعاد. نبحث… وربما لا نجد، لكن يكفينا أننا عشنا يومًا ما يستحق أن يُشتاق إليه. في حيِّ النزلة اليمانية، ابرز احياء مدينة جدة حيث الأزقة الضيقة تتعانق، وحيث الوجوه تعرف بعضها كما تعرف البيوت أصحابها، وُلدت واحدة من أجمل ذكرياتي… ذكرى “البازان” و“السقّا”. تلك الذكريات ليست مجرد صور عابرة، بل هي جزءٌ منا، تسكننا بقدر ما نسكنها، تشكّلنا وتعيد ترتيب أرواحنا كلما بعثرها التعب. وربما لهذا نبتسم وسط الحنين، لأننا ندرك أن ما مضى، رغم غيابه، ما زال حيًا فينا… يمنحنا قوةً خفية لنكمل الطريق
كان والدي – رحمه الله – يمسك بيدي الصغيرة، ويقودني نحو البازان، ذلك المكان الذي بدا لي يومها عالماً كاملاً تطاهرة الماء. حيث يجتمع أهالي النزله اليمانيه والبعض من الحارات المجاوره حول شبكة من المواسير تُسمّى “أشياب”، يتدفق منها الماء بقوة، كأنه رزق لا ينقطع، يملأ برميلاً حديديًا مثبتًا على عجلتين، يجرّه حمارٌ هادئ القسمات، كأنه يعرف مهمته منذ خُلق رفعني والدي لأمتطي صهوة الحمار، فشعرت أنني ارتفعت عن الأرض، لا بجسدي فقط، بل بفرحٍ غامرٍ ملأ قلبي. سرنا في الأزقة، والحمار يشق طريقه بصبر، وأنا ألتفت حولي أبحث عن أصدقائي، أريدهم أن يروني في تلك اللحظة التي حسبتها مجدًا صغيرًا.
كنت أبتسم، وربما أتباهى، بينما رأيت والدي ينظر إليّ ويبتسم ابتسامة هادئة، وكأنه يرى في فرحتي ما لا أراه.
وصلنا إلى البيت، وأنزلنا البرميل، وبدأ الماء ينساب إلى خزاننا الصغير. وقفت أتأمل، أراقب ذلك الماء وهو يملأ المكان، وكأنه حياة تُسكب في صمت. أما السقّا، فاقترب من الجدار، وأخرج قطعة فحم، وبدأ يخطّ بها علاماتٍ لا يفهمها سواها هو… حسابٌ بسيط، على جدارٍ متآكل، لكنه كان يكفي. عجّبتُ كيف لهذا الخِزان الصغير أن يكفي عائلةً كبيرة، ثم أيقنتُ أن السرّ في البركة
مرت السنوات… اختفت الأشياب، وغاب السقّا، وسكتت خطوات الحمار في الأزقة. صار الماء يصل إلينا بلا حكاية، بلا انتظار، بلا ذلك الطريق الطويل الذي كان يملؤه الفرح
الان ولله الحمد المياه تصل الى بيت كل مواطن بدون عناء او مشقه فكانت البدايه في عام 1346هـ الموافق 1926م، أمر الملك عبدالعزيز رحمه الله باستيراد آليتين كبيرتين لتقطير مياه البحر عرفت بالكنداسة الكنداسة مصطلح انقليزي لكلمة Condensate وهو تبخر الماء وتكثيفه.كانت أول وحدة لتحلية المياه لدعم مصادر المياه العذبة في جدة
في عام 1367هـ بتوجيه من جلالة الملك عبدالعزيز(رحمه الله) نشئت العين العزيزية بمحافظة على أن تكون وقفا له ويتركز عملها على جلب المياه من وادى فاطمة من المنطقة الواقعة شرق محافظة خليص الى جدة بمسافة حوالى 70 كيلومترا وتم فى عام 1387هـ ايصال المياه من منطقة خليص لجدة ضمن نشاط العين العزيزية وكانت العين العزيزية حتى تاريخ 1389هـ هى المصدر الوحيد تقريبا لسقيا اهالى محافظة جدة
ما نقطة التحول فكانت في عام 1974 إذ صدر المرسوم الملكي بإنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة لتتولى المؤسسة إنشاء المحطات وإيصال المياه المحلاة لمختلف مناطق المملكة العربية السعودية. تدير المؤسسة الآن 33 محطة تحلية منها 8 محطات على ساحل الخليج العربي و25 محطة تحلية على ساحل البحر الأحمر وتنتج 5.6 مليون متر مكعب من المياه العذبة يومياً، ما يمثل حوالي 70% من إنتاج المياه المحلاة في السعودية وهذه الأرقام جعلت من المملكة تتربع على عرش أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم.

حديثاً تمكنت المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة من تحقيق قفزات قياسية في مشاريعها والتي عززت ريادتها لصناعة التحلية، وذلك بإنتاجها 7.9 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يومياً (مع القطاع الخاص) وهو الإنتاج الأعلى في العالم، وتعد السعودية أكبر دولة في العالم إنتاجاً للمياه المحلاة بنسبة 22% من الإنتاج العالمي، وتنقل المياه المحلاة للمؤسسة عبر خطوط أنابيب بطول إجمالي 11.2 ألف كلم والذي ساهم بإيصال المياه إلى جميع أنحاء المملكة. كما سجّلت “التحلية” رقماً قياسياً عالمياً في موسوعة غينيس للأرقام القياسية Guinness World) Records) عن أقل محطة تحلية استهلاكا للطاقة في العالم بـ 2,27 كيلو وات/ساعة لكل متر مكعب من المياه المحلاة بمحطة التحلية الجديدة،كما حققت محطة تحلية «رأس الخير» الحاصلة على شهادة «غينيس» كأكبر محطة تحلية مزدوجة الغرض في العالم لتعزز بذلك ريادتها العالمية لصناعة التحلية، مواصلةً خططها لتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030.



