جليلة كلاعي تونس
في قلب تونس التي لطالما كانت جسراً يربط بين حضارات المتوسط، وعلى تراب ملعب ألعاب القوى برادس الذي تنفس اليوم عبق الطموح العربي، لم تكن البطولة العربية لألعاب القوى للشباب والشابات مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل كانت إعلاناً صريحاً عن ميلاد جيل جديد من القياصرة الذين لا يعترفون بحدود المستحيل.
هنا، حيث تتمازج زرقة السماء بإصرار العدائين، ارتفع العلم التونسي عالياً ليزفّ إلى العشاق حصيلة أولية لافتة، وهي حصيلة لا تقاس بمجرد أرقام الذهب والفضة والبرونز، بل بحجم الآمال العريضة التي يحملها هؤلاء الفتية على كواهلهم، ليرسموا ملامح مستقبل تونس الرياضي في خارطة القوى العالمية.
إن هذا الصعود التونسي المبكر فوق منصات التتويج يمثل قراءة تحليلية عميقة لمدى نضج المدارس التونسية في تكوين الأبطال، حيث تجلى ذلك بوضوح في الإنجاز الباهر لمحمد أمين النعيجي الذي لم يكتفِ بانتزاع ذهبية مشي الـ 5000 متر، بل حجز لنفسه مقعداً بين الكبار في بطولة العالم للشباب بالولايات المتحدة، وهو ما يؤكد أن الرياضة التونسية لم تعد تبحث عن المشاركة الشرفية، بل باتت تستثمر في “صناعة البطل” وفق مقاييس دولية صارمة.
هذا التفوق التقني لم يكن معزولاً عن النفس الملحمي الذي أظهره بقية الأبطال، ففضية فريال شنيبة في الوثب الطويل، وتألق قطر الندى الجوادي في رمي القرص، وصولاً إلى برونزية محمد خليل الفتوحي، كلها شواهد حية على أن القوى التونسية تفرض سطوتها في مختلف الاختصاصات، من المسافات الطويلة إلى الميدان والوثب، مما يعكس توازناً استراتيجياً في إعداد الفئات السنية.
وعلى ضفة أخرى من التحليل، تأخذ هذه البطولة صبغة سياحية وجمالية تتجاوز حدود المضمار؛ فاستضافة تونس لأكثر من 300 رياضي من 15 دولة عربية يحول العاصمة إلى ملتقى للثقافات، حيث تذوب الحواجز الجغرافية لتنصهر في بوتقة التنافس الشريف، وهو ما يعزز مكانة تونس كوجهة رائدة للسياحة الرياضية في المنطقة.

إن مشهد الوفود العربية وهي تتجول في أروقة رادس، والروح المعنوية التي تسيطر على الأجواء، تعطي انطباعاً بأن تونس اليوم لا تفتح ملاعبها فحسب، بل تفتح قلبها لتكون الحاضنة الرسمية لأحلام الشباب العربي، مقدمةً نموذجاً يحتذى به في التنظيم والاحترافية، مما يجعل من هذه الميداليات مجرد قطرة غيث في سحابة من النجاحات المنتظرة التي ستعيد صياغة التاريخ الرياضي العربي من على هذه الأرض المعطاءة.



