تونس في حضرة اليونسكو: حكاية “الجبة” و”سحر المهدية” في صراع البقاء الثقافي

شارك

جليلة كلاعي تونس

في قلب المتوسط، حيث تمتزج ملوحة البحر بعبق القرون الغابرة، تقف تونس اليوم حارسةً لأسرار خيوطها، لا بصفتها مجرد قطع من القماش، بل بوصفها “شيفرات” وجودية تروي قصة إنسان تشبث بأرضه وصهر فيها حضارات الفينيقيين والرومان والعرب والأندلسيين.

وحين تعلن وزارة الشؤون الثقافية التونسية اليوم إصرارها على دفع ملفي “الجبة التونسية” و”لباس عروس المهدية” إلى قائمة التراث العالمي غير المادي لمنظمة اليونسكو، فإنها لا تسعى لمجرد توثيق إداري، بل تخوض معركةً وجودية لحماية “الجمال التونسي” من التنميط وحفظ الذاكرة اليدوية من الانقراض أمام زحف الآلات الصماء.

إن “الجبة التونسية” ليست مجرد رداء فضفاض يرتديه الرجال في الأعياد والمحافل، بل هي هندسة اجتماعية تعكس هيبة الانتماء؛ ففي طيات “القمراية” و”السكروتة” تكمن مهارات حرفية “البرانسية” و”القزّازة” الذين يغزلون الحرير والكتان بروح الصوفي وصبر النحات.

إنها تجسيد لفكرة “الستر والوقار” التي تشكلت عبر العصور، حيث تتحول الغرزة الواحدة إلى بصمة تميز جهة عن أخرى، وتجعل من تونس متحفاً حياً يمشي على أقدام حرفييه. هذا اللباس الذي صمد أمام رياح التغريب، يطالب اليوم بمكانه الطبيعي في الذاكرة الكونية كنموذج للتحف البشرية التي استطاعت الموازنة بين الوظيفة النفعية والقيمة الجمالية الفائقة.

وعلى ضفاف المهدية، العاصمة الأولى للفاطميين، يبرز “لباس العروس” كأيقونة ترفض الانصياع للزمن، حيث يتحول جسد المرأة إلى لوحة مرصعة بـ”الخامة” و”القفطان” المطرز بخيوط الذهب والفضة والسمسم.

إن عمق هذا اللباس لا يكمن في فخامته الظاهرة فحسب، بل في تلك الرموز الموشاة على الصدر والأكمام، والتي تحكي قصص الخصوبة والحماية والتفاؤل. إنها صناعة تعتمد على “النول” اليدوي والأنامل التي تقضي شهوراً في تطريز “العدس” و”الكنتيل”، مما يجعل من كل قطعة “نسخة فريدة” لا تتكرر.
هذا التراث المهدوي ليس فولكلوراً سياحياً، بل هو نظام اجتماعي واقتصادي كامل، وحماية اليونسكو له تعني حماية لغة بصرية تونسية خالصة من التزييف أو الاندثار.

إن توجه تونس نحو اليونسكو هو اعتراف بأن القوة الناعمة للدول تكمن في قدرتها على تصدير هويتها عبر الجمال. فالتسجيل الدولي سيفتح آفاقاً رحبة لدعم الحرفيين المهرة وإعادة إحياء “أسواق الشواشين” و”البرانسية”، ويحول هذه الملابس من “ذكرى في خزانة الجدات” إلى صناعة ثقافية مستدامة.

إننا أمام لحظة فارقة تستعيد فيها “الغرزة التونسية” هيبتها العالمية، لتؤكد أن تونس التي قدمت للعالم “الهريسة” و”فخار سجنان”، لا تزال تملك في جعبتها الكثير من السحر الذي يستحق أن يُروى بلغات الأرض كافة، ليبقى الخيط التونسي رابطاً لا ينقطع بين مجد الماضي وطموح المستقبل.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *