آخر الأخبار

سليانة.. انبعاث “الأرض المنسية” في استراتيجية السياحة البديلة التونسية

شارك

جليلة كلاعي تونس

في قلب الشمال الغربي التونسي، حيث تتشابك عراقة التاريخ مع وعورة التضاريس، تبرز ولاية سليانة اليوم ليس فقط كخزان فلاحي، بل كوجهة سياحية بديلة تنتظر دورها الريادي في خارطة التنمية الوطنية.

تأتي الزيارة الميدانية التي أداها اليوم وزير السياحة السيد سفيان تقية، بمعية والي الجهة السيد خالد الواعري ونخبة من القيادات المؤسساتية والبرلمانية، لترسل إشارات سياسية واقتصادية واضحة مفادها أن القطاع السياحي في الجهات الداخلية لم يعد مجرد “ملحق”، بل هو القاطرة الأساسية لفك العزلة وتثبيت التنمية المستدامة عبر الانتقال من مرحلة التشخيص البيروقراطي إلى مرحلة الحلحلة الفعلية للمشاريع التي ظلت أسيرة الجمود لسنوات.

لقد استُهل هذا المسار التنموي الجديد بمعاينة مشروع القرية الحرفية بسليانة الجنوبية، الذي يمثل بحد ذاته فلسفة “الفضاء المتكامل”؛ فبكلفة تناهز 2500 ألف دينار، يتحول هذا الموقع إلى نظام بيئي حرفي يمتد على 500 متر مربع، ليضم ورشات إنتاج وقاعة عرض كبرى، مما يمنح الصناعات التقليدية السليانية موطناً مهنياً يخرجها من حيز العشوائية إلى آفاق الاحتراف والتثمين.

ولم يتوقف نبض التطوير عند حدود الحرفة، بل امتد ليشمل البنية التحتية الإيوائية في سليانة الشمالية وقعفور، حيث شدد الوزير على حتمية تسريع استكمال التجهيزات لضمان دخول المنشآت السياحية حيز الاستغلال الفعلي، إدراكاً بأن الوقت في معادلة الاستثمار هو العملة الصعبة التي لا تقبل الهدر، وبأن دعم طاقة الإيواء هو الحجر الأساس لإعادة تنشيط الحركية الاقتصادية بالجهة.

وفي عمق هذه الرؤية، تبرز “سياحة الجذور” و”الاستضافة العائلية” كخيارات استراتيجية لأنسنة التجربة السياحية؛ فمن خلال معاينة مشاريع الإقامات الريفية في سليانة وكسرى، يتضح التوجه نحو تثمين الخصوصية المحلية وتسهيل المبادرات الشبابية المعطلة، وهو ما تكلل بالقرار التاريخي المرتقب بإدراج “كسرى” ضمن البلديات السياحية، ما يفتح لها آفاقاً تمويلية من صندوق حماية المناطق السياحية للحفاظ على طابعها المعماري الفريد.

هذا التوجه يتناغم مع تطوير مركز الاصطياف والتخييم بـ “عين بوسعدية” في برقو، الذي يراد له أن يكون قطباً وطنياً لسياحة المغامرة والاستشفاء الطبيعي، مما يثبت أن الجغرافيا الجبلية في سليانة قد تحولت من عائق طبيعي إلى مورد استثماري بكر.

إن البعد الثقافي والأثري كان حاضراً بقوة كعمود فقري لهذه الزيارة، حيث جرى التأكيد على ضرورة تحويل المواقع الأثرية الصماء في “زامة” و”مكثر” و”جبل السرج” إلى مسالك سياحية مهيكلة تروي تاريخ الذاكرة الوطنية، بالتوازي مع مأسسة الحرف الأصيلة مثل “النقش على خشب الزيتون” عبر إدماجها في منظومة التكوين المهني.

وبحضور فاعل لرؤساء الوكالات العقارية السياحية ودواوين السياحة والصناعات التقليدية، تكتسب هذه التحركات صبغة “مشروع الدولة” المتكامل الذي لا يكتفي بالعمل الميداني، بل يمتد للتسويق المركزي من خلال تظاهرة “أيام سليانة” بالعاصمة، ليكون هذا الحراك بمثابة ميثاق تنموي جديد يعلن أن السياحة في تونس باتت اليوم تنطلق من الأعماق، لتصنع نهضة شاملة وعادلة تستثمر في الإنسان والمكان على حد سواء.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *