جليلة كلاعي تونس
لم يعد عبور السينما التونسية نحو ضفاف مهرجان “كان” مجرد مصادفة فنية أو حضور عابر في الكرنفال السينمائي الأكثر شهرة عالمياً، بل بات يمثل حالة من التراكم المعرفي والجمالي الذي بلغ ذروته مع اختيار الفيلم القصير “Somewhere I Belong” للمخرج يوسف حندوس ضمن مسابقة “سيني فونداسيون” في الدورة التاسعة والسبعين. هذا الاختيار لا يحمل أهميته من كونه مجرد منافسة على جائزة، بل في كونه يمثل “الاشتباك” الأول للمعهد العالي لفنون الملتيمديا بمنوبة مع المعايير الصارمة لهذه الفئة المخصصة لمدارس السينما، وهي المنطقة التي ظلّت لسنوات حكراً على مؤسسات أكاديمية عريقة في أوروبا وأمريكا الشمالية.

إن وقوف طالب من “إيسام” بمنوبة في قلب هذا المحفل، يعلن رسمياً عن تحول هيكلي في بنية التكوين السينمائي التونسي، الذي انتقل من مرحلة “الهواية الواعية” إلى مرحلة “الاحترافية الفلسفية”، حيث يصبح الفيلم مختبراً لاستنطاق الوجع الذاتي والبحث عن “الانتماء” في عالم يتسم بالسيولة والاغتراب.
يغوص يوسف حندوس في “Somewhere I Belong” ضمن سردية تتجاوز الحكاية التقليدية، ليمسّ وتراً حساساً يتعلق بسؤال الهوية في سياق معاصر. العنوان ذاته يحمل ثنائية المكان والوجدان، وكأن المخرج الشاب يحاول استرداد “المكان” من براثن التنميط السينمائي السائد. هذا العمق التحليلي في التناول هو ما لفت انتباه لجان الفرز في “كان”، التي باتت تبحث عن سينما “الصدق الجمالي” لا “البهرجة البصرية”.
إن تمثيل المعهد العالي لفنون الملتيمديا بمنوبة في هذه المسابقة هو بمثابة شهادة ميلاد جديدة للسينما التونسية الشابة، تؤكد أن الجامعات التونسية لم تعد مجرد قاعات لتلقين التقنية، بل أصبحت محاضن للفكر الحر واللغة البصرية المتمردة التي ترفض الانصياع للقوالب الجاهزة، مما يعيد تعريف تونس كمنارة ثقافية قادرة على تصدير رؤى فنية تنافسية بروح محلية خالصة.
بالتأمل في التوقيت والظرفية، نجد أن وصول هذا العمل إلى منصة “كان” في مايو 2026 يأتي ليتمّم مسيرة من النضال الجمالي خاضها السينمائيون التونسيون عبر الأجيال. غير أن ميزة هذا الإنجاز تكمن في طابعه “الأكاديمي المنفتح”؛ فهو نتاج لمؤسسة عمومية نجحت في تطويع إمكانياتها المحدودة لخلق رؤية بصرية تتكلم لغة العالم.

إننا أمام مشهد سينمائي يرفض التباكي على الواقع، ويختار بدلاً من ذلك تشريحه عبر عدسة فنية باردة ومحترفة. هذا “الانتماء” الذي يبحث عنه حندوس في فيلمه، هو في الواقع انتماء السينما التونسية إلى المستقبل، وتأكيد على أن الموهبة التونسية حين تتسلح بالمنهج الأكاديمي والرؤية الكونية، لا تجد أمامها سدوداً تمنعها من التألق تحت أضواء “الكروازيت”، لترسخ بذلك مكانة تونس كوجهة رائدة للإبداع السينمائي في المنطقة العربية والمتوسطية.



