آخر الأخبار

تونس، أريانة: حين تغدو الوردة لغةً للتاريخ وقصيدةً للعبور نحو المستقبل

شارك

جليلة كلاعي تونس

لطالما كانت مدينة أريانة التونسية، أو “مدينة الورد” كما يحلو لعشاقها تسميتها، أكثر من مجرد حيز جغرافي يربط العاصمة بضواحيها؛ إنها حالة وجدانية تتنفس عطر “النسري” وتقتات على ذاكرة الأندلسيين الذين استوطنوها وحولوا تربتها إلى بساتين غناء. واليوم، وهي تتأهب لإطلاق الدورة الثلاثين لـ “عيد الورد” في الفترة الممتدة من 8 إلى 17 ماي الجاري، تحت شعار يفيض عاطفةً “كل عام وورد أريانة غرام”، فإنها لا تستعرض بتلات أزهارها فحسب، بل تعيد صياغة علاقة الإنسان التونسي بهويته البيئية وتراثه غير المادي في زمن طغت فيه المادة على الروح.

هذا المهرجان الذي يطفئ شمعته الثلاثين، أو “دورة اللؤلؤ” كما يصطلح عليها، يمثل في جوهره صرخة جمالية في وجه التوسع العمراني الصامت، ومحاولة جادة لاستعادة بريق المدينة الذي ارتبط تاريخياً بحدائق بئر بلحسن وسيدي جبالي، حيث يمتزج عبير الورد بروح التصوف التونسي الأصيل.

إن القراءة التحليلية لاختيار شعار “الغرام” لهذا العام تتجاوز البعد العاطفي السطحي، لتلامس عمق الالتزام الشعبي والرسمي بإحياء رمزية الورد كمنتج ثقافي واقتصادي.

فعيد الورد في أريانة لم يعد مجرد “سوق موسمية” لبيع المقطرات والنباتات، بل تحول إلى منصة فكرية واجتماعية تبحث في سبل تثمين التراث الطبيعي وتطويعه لخدمة السياحة الثقافية.

ومن هنا، يبرز التحدي الأكبر لهذه الدورة في كيفية الموازنة بين الحفاظ على الطابع التقليدي المتمثل في “تقطير الورد” بالطرق اليدوية المتوارثة، وبين الرغبة في عصرنة المهرجان ليكون قاطرة للتنمية المحلية.

فالانتقال من الاحتفالية العابرة إلى الصناعة الثقافية يتطلب هذا النوع من “الغرام” الذي يجعل من كل مواطن في أريانة حارساً لذاكرة الورد، ومشاركاً في رسم ملامح مدينة خضراء تتصالح مع ماضيها العريق لتستشرف مستقبلاً أكثر استدامة.

في أروقة منتزه بئر بلحسن، حيث ستتعانق رائحة الورد بعبق التاريخ، ستكون الدورة الثلاثون بمثابة مختبر مفتوح لقياس مدى صمود الذاكرة الجماعية أمام تحولات العصر.

إن الزائر لأريانة خلال هذه العشرية من شهر ماي لن يجد نفسه أمام معرض تجاري فحسب، بل أمام مشهد سيميائي متكامل، حيث الزهور ليست زينة بل هي “نص” يحكي قصص العائلات الأريانية التي حافظت على بذور الورد قروناً، وحيث الأنشطة الموازية من فنون تشكيلية وموسيقى تهدف إلى خلق وعي بيئي جديد. هذا العيد هو بمثابة “بيان جمالي” يؤكد أن الورد في أريانة ليس فصلاً في السنة، بل هو هوية لا تغيب، وقصة حب متجددة ترفض الذبول، تؤسس لنموذج سياحي يعتمد على “سحر المكان” وعمق الانتماء، لتبقى أريانة دائماً هي الوجهة التي يشد إليها الرحال كلما بحث التونسيون عن صفاء الروح في قلب المدينة الصاخب.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *