جليلة كلاعي تونس
بين زرقة البحر الأبيض المتوسط التي تعانق أسوار الحمامات، وبين عبق التاريخ الذي يتنفس في أروقة “دار سيباستيان”، ينبعث سؤال الوجود الفني من جديد ليُعلن أن التراث ليس قيداً بل هو منطلق لآفاق لامتناهية.
هنا، وفي هذا المعلم الذي يسكنه سحر العمارة، اختار المركز الثقافي الدولي بالحمامات أن يخطّ فصلاً جديداً من فصول الإبداع عبر إقامة فنية للنحت المعاصر تندرج ضمن مشروع “الفن والتراث: ذاكرة المستقبل”.
هذه الإقامة ليست مجرد تجمع تقني لنحاتين يطوعون المادة، بل هي استحضار فلسفي لمعنى الاستمرارية، حيث تلتقي الأزاميل التي تنحت الرخام والحديد بخشوع المكان، لتعيد صياغة العلاقة بين “ما كان” وما “سيكون”، محولةً الحدائق التاريخية إلى مختبر حيّ لا يُنتج تماثيل صامتة، بل يبعث في المادة روحاً تنطق بلسان العصر وتستشرف ملامح القادم.
إن الغوص في تفاصيل هذا الحدث يكشف عن رؤية تحليلية تتجاوز مفهوم العرض البصري التقليدي، فالمشروع يسعى بذكاء إلى كسر الحاجز الزمني بين الموروث الجامد وبين الحركة الفنية المتسارعة، فالفنان التونسي المشارك في هذه الإقامة لا يتعامل مع الفضاء كخلفية جغرافية، بل كشريك في عملية الخلق، حيث تُستلهم الكتلة من فراغات الحديقة وتستمد القوة من صلابة الجدران العريقة.
هذا التمازج يخلق نوعاً من “الحوار الجمالي” الذي يجعل من التراث مادة مرنة قابلة للتأويل وليس مجرد ذكرى محفوظة خلف زجاج المتاحف، فالرهان الحقيقي يكمن في كيفية تحويل الذاكرة إلى قوة دافعة، حيث يصبح النحت المعاصر هو الجسر الذي يعبر فوقه الموروث نحو العالمية بلغة فنية يفهمها إنسان القرن الحادي والعشرين، بعيداً عن كليشيهات التقليد النمطي.
وفي عمق هذه التجربة، نجد أن التركيز على خامات كالرخام والخشب والحديد يعكس رغبة في العودة إلى جوهر الطبيعة ومواجهتها بأدوات الحداثة، مما يمنح الأعمال الناتجة ثقلاً أنطولوجياً يربط الأرض بالسماء والماضي بالمستقبل.
إنها دعوة للتأمل في هوية المكان التي تتشكل اليوم بأيدٍ تبدع تحت ضوء الحمامات الفريد، لتصنع ما يمكن تسميته “أثر الأثر”، حيث تبقى المنحوتات كشواهد حية على قدرة الثقافة التونسية على التجدد والانفتاح. ومن هنا، يبرز المركز الثقافي الدولي بالحمامات ليس فقط كحارس للذاكرة، بل كمنتج للجمال ومحرك للتنمية الثقافية التي تؤمن بأن الفن هو الضمانة الوحيدة لخلود التراث.

ففي كل ضربة إزميل، هناك استشراف لمستقبل رقمي وفني تتلاقى فيه المسارات السياحية بالروح الإبداعية، لتظل “دار سيباستيان” منارة تضيء دروب الفن المعاصر في قلب المتوسط، شاهدة على أن الذاكرة إذا ما امتزجت بالإبداع، أصبحت هي المستقبل بعينه.



