آخر الأخبار

دار المنستيري بالمدينة العتيقة، تونس: “بيت الخطّاطين” الذي يُحيي وهج الحرف العربي

شارك

عبد الوهاب البراري تونس

في قلب النهج الهادئ الذي يحمل اسمها بـ”حومة باب سويقة” العريقة، تقف دار المنستيري شاهدةً على عظمة العمارة الحسينية في القرن التاسع عشر. هذا المعلم التاريخي الذي كان يوماً قصراً للأعيان، نجح اليوم في التحول من “أطلال للذاكرة” إلى منارة حية تشع بفنون الخط العربي والزخرفة الإسلامية، مستقطباً عشاق الحرف من كل حدب وصوب.


عبق التاريخ وعظمة العمارة
بنيت الدار في مطلع القرن التاسع عشر (حوالي سنة 1814) بأمر من الأمير الحسين بن محمود باي، قبل أن تُهدى لاحقاً لتاجر الشاشية الثري محمد المنستيري. وبمجرد عبور عتبتها، تأخذك الدار في رحلة بصرية بين الرخام الإيطالي الفاخر، وسقوف “النقش حديدة” البديعة، والمربعات الخزفية (الزليج) التي تعكس تمازج الأنماط الأندلسية والعثمانية.

الحرف العربي: الروح الجديدة للمكان
بعد عقود من الاستخدامات الإدارية والتعليمية المختلفة، استعادت الدار بريقها الحقيقي مع اتخاذها مقراً لـ المركز الوطني لفنون الخط. لم تعد الجدران صامتة، بل أصبحت تتردد بين جنباتها أصوات أقلام القصب وهي تخطّ بمداد الصبر أجمل أنواع الخطوط؛ من “الكوفي” الرصين إلى “الثلث” الملكي و”المغربي” الانسيابي

ويؤكد القائمون على المركز أن دار المنستيري ليست مجرد مدرسة، بل هي مختبر فني يهدف إلى حماية الهوية البصرية العربية من الاندثار في العصر الرقمي. حيث تُنظم الدار ورشات تدريبية يشرف عليها كبار الخطاطين، تستهدف الشباب والكهول وحتى السياح الراغبين في ملامسة سحر الحروفية.

إشعاع يتجاوز الحدود
لا يقتصر دور الدار على التعليم فقط، بل أصبحت وجهة للمعارض الدولية والندوات التي تبحث في تقاطعات الخط العربي مع الفنون المعاصرة. هذا النشاط المكثف جعل من “دار المنستيري” نقطة ارتكاز في المسلك السياحي والثقافي للمدينة العتيقة، مساهمةً في تنشيط الدورة الاقتصادية والثقافية للمنطقة.اليوم، تبرهن دار المنستيري على أن المعالم التاريخية لا تموت إذا ما نُفخت فيها روح الفن، لتظل تونس، من خلال هذا الصرح، حارسةً وفيةً لأحد أرقى الفنون الإسلامية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *