عبد الوهاب البراري ـ تونس مجلة السياحة العربية
تتأهب خارطة السياحة المتوسطية لولادة نموذج تنموي جديد تقوده تونس، حيث لم يعد البحر مجرد شاطئ للاستجمام العابر، بل تحول إلى شريان حيوي للاقتصاد الدائري وركيزة استراتيجية لحماية الشريط الساحلي من التغيرات المناخية.
وفي هذا السياق الجيوسياسي والبيئي الدقيق، جاء الافتتاح الرسمي لأشغال الملتقى الوطني حول “السياحة الساحلية المستدامة في الفضاء المتوسطي” ليعلن بوضوح أن الدولة التونسية تتجه نحو قطع دابر العشوائية والاستثمار التقليدي، مبرزةً طموحاً استثمارياً يمتد على طول سواحلها المطلة على الأقاليم الخمسة للبلاد، ومؤسسةً لمقاربة ترابية تقطع مع المركزية السياحية وتصنع من كل إقليم قطباً تنموياً متكاملاً يربط البحر بالعمق الترابي التونسي.
إن القراءة التحليلية للمؤشرات الرقمية التي تملكها تونس تكشف عن بنية تحتية قادرة على قيادة قاطرة الاقتصاد الأزرق في المنطقة، فامتلاك البلاد لستة موانئ ترفيهية رئيسية توفر ما يزيد عن 2930 حلقة رسو، بالتوازي مع تموقعها الصلب في المرتبة الثانية عالمياً في سياحة العلاج بمياه البحر، لا يعكس مجرد أرقام إحصائية، بل يؤكد على جاهزية الوجهة التونسية لتقديم سياحة ذات قيمة مضافة عالية تخاطب النخب السياحية الدولية المستدامة.
جزيرة جربة
هذه القوة التنافسية تسعى الوزارة اليوم إلى توظيفها في قوالب مبتكرة لا تقتصر على المدن الكبرى، بل تمتد لتجعل من الجزر التونسية منصات حقيقية للابتكار التكنولوجي والبيئي، حيث تتحول جزيرة جربة من مجرد وجهة كلاسيكية إلى نموذج عالمي يدمج الثقافة بالاستدامة، بينما تنفتح جزر قرقنة والكنايس وزمبرة كأوعية بكر لتطوير السياحة البيئية والعلمية التي تحافظ على التنوع البيولوجي وتنعش في الوقت ذاته الاقتصاد المحلي المرتبط بالصيد التقليدي والحرف البحرية.

جزيرة قرقنة
ولا يمكن فصل هذه الرؤية الهيكلية عن التوجه نحو رقمنة القطاع وتحديث أدواته من خلال إدراج مشاريع الطاقات المتجددة في النقل البحري والمنشآت الفندقية، فضلاً عن إرساء آليات التصرف الذكي في الموارد المائية والطاقة.
جزيرة زمبرة
إن هذا التحول الجذري يفتح آفاقاً غير مسبوقة أمام الشباب التونسي والمبادرات المحلية لكسر احتكار الاستثمارات الكبرى، والولوج إلى سوق الاستثمار السياحي من بوابات الابتكار والشركات الناشئة التي تعنى بالبيئة البحرية.
ومن خلال حلقات النقاش المشتركة بين مختلف الوزارات والهياكل المعنية بالشأن البحري والبيئي، يتضح أن تونس لا تبحث عن حلول تجميلية مؤقتة، بل تؤسس لعقد اقتصادي واجتماعي جديد يضمن استدامة الشواطئ للأجيال القادمة، ويجعل من المتوسط مساحة مشتركة للنمو المتوازن، حيث تلتقي الأصالة الثقافية بالمسؤولية البيئية لتصنع “العلامة التونسية” الجديدة في سوق السياحة العالمية.



