عبد الوهاب البراري _ تونس
تنبثق ولاية سليانة من قلب الشمال الغربي التونسي كلوحة فنية صاغتها يد الزمن بعناية فائقة، حيث تلتقي قمم الجبال الشامخة بالسهول الفسيحة التي تروي قصص حضارات سادت ثم بادت، تاركة وراءها عبقاً لا يمحى. تبدأ الرحلة في هذه الربوع من الارتفاعات الشاهقة لقرية “كسرى” الأمازيغية، التي تتربع على عرش الجبل كأعلى منطقة مأهولة في البلاد، حيث تنبثق المياه العذبة من بين صخورها الصماء لتغسل أزقتها الضيقة المنحوتة في الحجر، وتهمس لزائريها بحكايات الأجداد الذين طوعوا القمم وحولوا المنحدرات إلى بساتين غنّاء من التين والزيتون، لتمتزج في هوائها رائحة الأرض برائحة التاريخ العريق.

ولا تكتمل صورة سليانة دون الغوص في أعماق جبل السرج، ذلك العملاق الكلسي الذي يخفي في أحشائه واحدة من أثمن الجواهر الطبيعية في العالم، وهي مغارة “عين الذهب”. هذه المغارة ليست مجرد تجويف صخري، بل هي معبد طبيعي يمتد لأكثر من ثلاثة كيلومترات، حيث تتلألأ النوازل والصواعد البلورية التي استغرقت آلاف السنين لتتشكل قطرة بقطرة، مشكّلةً مشهداً سريالياً يخطف الأنفاس ويجذب هواة الاستغوار والمغامرة من كل حدب وصوب. إن السير في دهاليز هذه المغارة، حيث يجري نهر جوفي بارد وتتدلى الثريات الصخرية المذهبة، يمنح الزائر شعوراً بالرهبة والامتنان لعظمة الخالق وإبداع الطبيعة البكر التي لم تلوثها يد الحداثة.

وعلى وقع خطى المغامرين، تمتد المسالك الجبلية في سليانة لتربط بين المتعة البصرية والثقل التاريخي، حيث يجد المتنزه في موقع “مكثر” الأثري (ماكتاريس) فرصة فريدة للمشي بين أطلال الحضارات اللوبية والبونية والرومانية. هنا، تقف أقواس النصر والحمامات الرومانية الشاسعة والمسارح الدائرية كشواهد حية على مجد غابر، بينما يلوح في الأفق موقع “زاما” التاريخي، الذي شهد الملحمة الكبرى بين القائد القرطاجي حنبعل والروماني سكيبيو الإفريقي، مما يجعل من كل خطوة في هذه المسالك رحلة عبر الزمن، يمتزج فيها صدى السيوف بصفير الرياح فوق قمم الجبال.

إن السياحة في سليانة اليوم تتجاوز مجرد المشاهدة لتصبح تجربة وجدانية متكاملة، حيث تحتضن محمية جبل السرج غزال الأطلس النادر في بيئة إيكولوجية محمية، توفر لمحبي الطبيعة ملاذاً للسكينة والتأمل. ومع غروب الشمس وراء القمم الكلسية، يجد الزائر نفسه في حضرة كرم أهالي الشمال الغربي، حيث يفوح عطر “خبز الطابونة” الساخن الممزوج بزيت الزيتون البكر، ليكتمل المشهد بهوية ثقافية أصيلة ترفض النسيان.
إنّ سليانة ليست مجرد وجهة سياحية عابرة، بل هي حالة من التصالح مع الذات ومع الطبيعة في أنقى صورها؛ فهي الأرض التي علّمت الإنسان كيف ينحت أحلامه في صوان الجبال، وكيف يستنطق الصمت في كهوفها المظلمة ليحولها إلى تراتيل ضوء وجمال. في كل زاوية من مسالكها الجبلية، يجد الزائر نفسه أمام دعوة صريحة للتأمل في عبقرية المكان الذي صمد أمام عواتي الزمن، محتفظاً بكبريائه الأمازيغي ونفحه القرطاجي، ليؤكد لنا أن الأصالة لا تشيخ، وأن الطبيعة حين تمتزج بالتاريخ تخلق وطناً لا يحده زمن. هي رسالة وفاء للأرض التي منحتنا الحياة، وملاذ أخير لأولئك الذين تعبت أرواحهم من صخب الحداثة، فجاءوا إلى سليانة ليرمموا ذاكرتهم بعبق السنابل، ويستعيدوا فطرتهم الأولى تحت ظلال غابات القيقب الوارفة، حيث يبدأ التاريخ ولا ينتهي.
إنها دعوة مفتوحة لكل باحث عن الأصالة، ليستكشف لؤلؤة تونس الكامنة، حيث الجبل يحرس التاريخ، والتاريخ يمنح الأرض روحاً لا تشيب.




