آخر الأخبار

تونس تحتفي بمسرح “آخر إنسان”: صرخة تركية في وجه العزلة والتشظي

شارك

جليلة كلاعي تونس

شهدت خشبات المسرح التونسي وضمن فعاليات أيام قرطاج المسرحية، عرضاً استثنائياً قدمته الفرقة التركية بعنوان “آخر إنسان”، والذي نجح في جذب الأنظار والقلوب عبر طرح فلسفي عميق يلامس أوجاع الإنسان المعاصر.
العمل الذي استلهم روحه من أفكار الفيلسوف الألماني “فريدريك نيتشه”، لم يكن مجرد عرض عابر، بل تحول إلى مرآة عاكسة لصراعات الذات البشرية في ظل تحولات العالم المتسارع، حيث استنطق العرض حالات الاغتراب والوحدة القاتلة التي يعيشها الفرد، محاولاً فك شفرات التشظي النفسي الذي يصيب الهوية الإنسانية حين تفقد بوصلتها الروحية.
وقد تميز العرض بلغة بصرية مدهشة تفوقت على الكلمات، حيث تحول الجسد فوق الخشبة إلى أداة تعبيرية صريحة تروي حكاية السقوط والنهوض. اعتمد المخرج على سينوغرافيا مقتضبة لكنها حادة الدلالة، تعكس ضيق المساحة التي بات يتحرك فيها الإنسان المعاصر، مشدداً على مفهوم “الإنسان الأخير” الذي يفقد شغفه وقيمه العليا لينغمس في رتابة الوجود.

هذا التوظيف المتقن للإضاءة والحركة الصامتة منح الجمهور التونسي فرصة للتأمل في واقعهم الخاص وفي المصير المشترك للبشرية، مما جعل من “آخر إنسان” تجربة فنية متكاملة تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا لتخاطب الجوهر الإنساني الصرف.
ويأتي احتضان تونس لهذا النوع من الأعمال العالمية ليؤكد مكانتها كمنارة ثقافية ووجهة سياحية رائدة تجمع بين سحر الشرق وعمق الفكر الإنساني. إن مثل هذه العروض لا تثري المشهد الثقافي العربي فحسب، بل تفتح آفاقاً جديدة للسياحة الثقافية التي تبحث عن الجودة والابتكار.


فقد أثبت العرض التركي أن المسرح سيظل دائماً ذاك الفضاء الحر الذي نستطيع من خلاله مواجهة مخاوفنا وانكساراتنا، معيداً صياغة مفهوم الألم كحالة تطهيرية تدفعنا للبحث عن ذواتنا الضائعة وسط ركام المادية المعاصرة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *