عبد الوهاب البراري ـ تونس مجلة السياحة العربية
في قلب جبال زغوان الأبية، حيث تعانق السحب قمم التاريخ وتهمس الرياح بأسرار الأزل، تنبثق قرية “الزريبة العليا” كدرةٍ مكنونة في تاج التراث الأمازيغي التونسي، تستفيق اليوم من غفوة الهجران الطويل لتنفض عن كاهلها غبار النسيان،
فما الزريبة إلا قصيدة حجرية نُظمت بقوافي الشموخ، تتراءى لناظرها كقلعةٍ معلقة بين الأرض والسماء، حيث البيوت المتراصة تحكي قصة صمود شعبٍ طوع الصخر فجعله سكناً، ونحت من وعورة التضاريس حياةً تضج بالألفة والجمال، فهي اليوم تنادي عشاق الأصالة والباحثين عن مرافئ الروح في زمنٍ ضج بالصخب، لتعيد صياغة حكايتها في سفر السياحة العالمية برؤيةٍ تمزج بين هيبة الماضي وآمال الغد الواعد.
إن مشهد انبعاث هذه القرية من جديد يشبه انبعاث طائر الفينيق من رماد العصور، إذ تسارعت الخطى المباركة لتأهيل مسالكها وإعادة نبض الحياة إلى أزقتها العتيقة، لتغدو قبلةً تستهوي الأفئدة قبل الأجساد، حيث يمتزج عبق التاريخ برحيق الطبيعة العذراء، وتتحول مزاراتها ومساجدها القديمة إلى مناراتٍ تضيء درب الزائرين، فلا يملك المرء أمام جلال هذا المشهد إلا أن ينحني تقديراً لجهودٍ أدركت أن كنز تونس الحقيقي يكمن في ثنايا هذه الجبال، حيث الينابيع المعدنية في حمام الزريبة تتدفق كدماءٍ حية تعيد العافية للجسد والسكينة للنفس، محولةً المنطقة إلى واحة استشفائية فريدة تزاوج بين علاج الأبدان ومتعة الأبصار في تناغمٍ قل نظيره.
يا لها من دعوةٍ مفتوحة لزيارة هذا المتحف المفتوح، حيث كل حجرٍ هناك يملك لساناً يبين، وكل إطلالةٍ من شرفات القرية تفتح نافذةً على خلود الهوية التونسية الضاربة في أعماق الزمان،
إن إحياء “الزريبة العليا” ليس مجرد ترميمٍ لجدرانٍ صامتة، بل هو استردادٌ لذاكرةٍ حية وترجمةٌ لميثاق الوفاء للأرض والإنسان، لتظل هذه القرية البربرية رمزاً للجمال العصي على الفناء، ومنطلقاً لسياحةٍ ثقافية وبيئية تسمو بالذائقة، وتمنح المسافر تجربةً وجودية لا تُمحى، في أرضٍ جُبلت من طين الكرامة وسُقيت بماء العراقة، لتبقى تونس دائماً وأبعداً أرض اللقاء ومنبع الإلهام.



