آخر الأخبار

صناعة التأثير: كيف يعيد الإعلاميون والمؤثرون رسم خارطة السياحة العربية؟

شارك

جليلة كلاعي تونس

تعد العلاقة بين الإعلام السياحي وصناع المحتوى في العصر الرقمي الحالي حجر الزاوية في نهضة القطاع السياحي العربي، حيث لم يعد الترويج للمقاصد مجرد صور جامدة، بل تحول إلى تجربة إنسانية حية تعكسها لغة الأرقام والواقع؛ إذ تشير الدراسات الحديثة لعام 2025 إلى أن أكثر من 37% من المسافرين يتخذون قراراتهم بناءً على توصيات المؤثرين، بينما قام بالفعل نحو 28% من السياح بحجز إقامتهم الفندقية مباشرة بعد مشاهدة محتوى ملهم لهؤلاء الصناع.
إن هذا التحول الرقمي جعل من الإعلاميين والمؤثرين القوة الناعمة التي تعيد صياغة السردية السياحية، محولين الوجهات العربية إلى وجهات “تريند” عالمية، ومسلطين الضوء على كنوزنا التراثية بمصداقية عالية تتجاوز بمراحل تأثير الإعلانات التقليدية.
وتتجلى أهمية هذا الدور عند النظر إلى العائد الاستثماري الضخم الذي يحققه التسويق عبر المؤثرين، حيث تجني الوجهات السياحية ما يعادل 5.78 دولاراً مقابل كل دولار واحد يتم إنفاقه في هذا المجال، مما يفسر التوجه المتزايد للدول العربية نحو تخصيص ميزانيات ضخمة للحملات الرقمية.

هذا التكامل بين رصانة الإعلام التقليدي وجاذبية المنصات الاجتماعية مثل يوتيوب وإنستغرام، خلق جسوراً جديدة للتواصل، خاصة مع الجيل الجديد من السياح (الجيل Z) الذين يعتمد 53% منهم على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر أول لأفكار سفرهم، وهو ما ساهم بشكل مباشر في رفع نسب الإشغال الفندقي في الوجهات التي تتبنى هذه الاستراتيجيات لتتجاوز حاجز 80% في الفنادق الفاخرة والمنتجعات.
وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السياحة العربية، كما نرى في تونس التي تستهدف تجاوز عتبة 11 مليون سائح في 2025 بفضل تكثيف حضورها الرقمي، أصبح من الضروري مأسسة هذا التعاون نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
إن الاستثمار في “سفراء السياحة” لا يقتصر فقط على زيادة أعداد الزوار، بل يمتد ليشمل تحسين الصورة الذهنية وتصحيح المفاهيم، مما يجعل من كل لقطة فيديو أو مقال صحفي لبنة أساسية في بناء مستقبل سياحي واعد يعزز من مكانة الوطن العربي كوجهة رائدة وفريدة على خريطة السياحة العالمية، مدعوماً ببيانات تؤكد أن المحتوى الرقمي الموثوق هو المحرك الأول لمحركات الحجز العالمية اليوم.
إن هذه الأرقام والتحولات تضع المستثمرين وصناع القرار في القطاع السياحي العربي أمام ضرورة حتمية لإعادة ترتيب الأولويات؛ فالمستقبل لم يعد لمن يمتلك أجمل الفنادق فحسب، بل لمن يمتلك القدرة على رواية قصتها بذكاء عبر منصات التأثير.


لذا، ندعو كافة المؤسسات السياحية إلى الاستثمار الجاد في شراكات استراتيجية مع الإعلاميين وصناع المحتوى المبدعين، وتحويل الترويج الرقمي من “خيار إضافي” إلى “عمود فقري” في خططها التشغيلية، لضمان استدامة النمو وتحقيق أعلى معدلات الإشغال في سوق لا يعترف إلا بمن يتواجد بقوة في الذاكرة الرقمية للمسافرين.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *