جليلة كلاعي تونس – مجلة السياحة العربية
تؤكد العاصمة التونسية مجدداً مكانتها كقبلة رائدة للسياحة الثقافية في المنطقة العربية والمتوسطية، حيث احتضنت قاعة “الفن الرابع” العرض الكوريغرافي الإسباني الضخم “كولوتشي باو” (Kolochi Baw) للمخرجة المبدعة عايدة كولمينيرو دياز. ويأتي هذا العرض المتميز كأحد أبرز محطات الدورة الرابعة لتظاهرة “تونس مسارح العالم”، التي ينظمها المسرح الوطني التونسي احتفاءً باليوم العالمي للمسرح، مستقطبةً جمهوراً نوعياً من المثقفين والزوار الشغوفين بالفنون المعاصرة.
وقد استطاع عرض “كولوتشي باو” – الذي يعني “الحرّاس” بلغة “البامبارا” المالية – أن يحول الركح التونسي إلى منصة للمساءلة التاريخية والفلسفية. فمن خلال لغة جسدية مشحونة بالرمزية، استحضرت المخرجة دياز مأساة الاستعمار الغربي للقارة الإفريقية، ملقيةً الضوء على جراح الإمبريالية وتبعاتها التي لا تزال تتردد في ثنايا الواقع الإفريقي المعاصر. ولم يكن العرض مجرد لوحات راقصة، بل كان صرخة فنية تسأل عن دور النخب في تكريس أو تفكيك أنظمة التبعية والوصاية.
تجلت عبقرية العرض في قدرته على صهر هويات متعددة في بوتقة واحدة؛ حيث شارك في الأداء فنانون ومؤدون من مالي، البرازيل، وغينيا، ليخلقوا تمازجاً فريداً بين المعارف التقليدية الإفريقية ومعالم الحداثة الغربية. هذا التنوع الثقافي وجد في تونس بيئة مثالية للحوار، حيث اعتمد العرض على ثلاثية “الزمن، الاهتزاز، والتضحية”، مع توظيف عبقري للإضاءة المسرحية التي رسمت حدود الفضاء الزمكاني، مانحةً الحضور تجربة بصرية ووجدانية لا تُنسى.
إن استضافة تونس لمثل هذه الأعمال العالمية تكرس دورها كجسر يربط بين ضفتي المتوسط وإفريقيا والشرق. فمن خلال تظاهرة “تونس مسارح العالم”، ينجح المسرح الوطني التونسي في تقديم صورة مشرقة عن تونس كوجهة سياحية لا تكتفي بجمال الطبيعة والمعالم التاريخية، بل تقدم محتوى فكرياً وفنياً يضاهي كبرى المهرجانات العالمية.
وقد أثبت “كولوتشي باو” أن الفن في تونس هو أداة للمقاومة الثقافية ووسيلة لمد جسور التضامن الإنساني، مما يعزز من جاذبية تونس السياحية كحاضنة للإبداع الكوني.

بمثل هذه العروض، تظل تونس وفية لإرثها كمنارة للفكر الحر، وتثبت أن المسرح هو المرآة التي تعكس قضايا الشعوب وتطلعاتها نحو مستقبل متحرر من قيود الماضي وأوجاع الاستعمار.



