آخر الأخبار

تونس، تستور الأندلسية تفتتح شهر التراث 2026: هندسة العبور من ذاكرة الأندلس إلى عبقرية المكان

شارك

جليلة كلاعي تونس

تفتتح اليوم 18 أفريل 2026 مدينة تستور العريقة بجمالها الأندلسي الفاتن، الدورة الخامسة والثلاثين لشهر التراث لسنة 2026، لتكون القلب النابض لاحتفالات تونس بموروثها الحضاري تحت شعار “التراث وفن العمارة”، وهي مناسبة تتجاوز البعد الاحتفالي لتتحول إلى رحلة زمنية تستحضر عبقرية المعمار الذي شيده الموريسكيون فوق تلال وادي مجردة منذ قرون.

هذا الاختيار لم يكن وليد الصدفة، بل هو تكريم لمدينة استطاعت أن تحافظ على هويتها المعمارية الفريدة التي تمزج بين التقنيات الأندلسية المبتكرة والروح التونسية الأصيلة، حيث انطلقت الفعاليات اليوم ، تزامناً مع اليوم العالمي للمواقع والمعالم التاريخية، لتعطي إشارة البدء لبرنامج ثقافي وسياحي ثري يمتد على مدار شهر كامل، يضع العمارة في صدارة المشهد كشاهد حي على تلاقح الحضارات وصمود الذاكرة الوطنية أمام عوادي الزمن.

تتجلى في افتتاح هذه الدورة تظاهرة “طريق الأندلس”، وهي رحلة ثقافية كبرى تنطلق من شوارع تستور المرصوفة لتجوب سبع مدن تونسية أندلسية الجذور، رابطةً بين التاريخ والجغرافيا في مسار سياحي متكامل، يهدف إلى إحياء المسالك التاريخية التي سلكها الأندلسيون الأوائل.

وفي رحاب تستور، يجد الزائر نفسه محاطاً بلوحات فنية معمارية لا تضاهى، يتصدرها الجامع الكبير بصومعته الشهيرة التي تحمل ساعة فريدة تدور عقاربها عكس الاتجاه المألوف، في فلسفة بصرية تجسد الحنين إلى الماضي والرغبة في تجميد اللحظة التاريخية، وهي المعالم التي ستكون محور ورشات حية ومعارض توثيقية تبرز فنون الزخرفة، والنقش على الجبس، واستخدام القرميد الأحمر الذي يكسو أسطح المدينة، مما يمنحها طابعاً بصرياً يذكر بقرطبة وغرناطة في قلب الشمال الغربي التونسي.

إن الاحتفاء بالعمارة في تستور خلال هذه الدورة يركز بشكل أساسي على مفهوم “أنسنة البناء”، حيث لا تقتصر الفعاليات على الجانب التقني للمباني، بل تتعداه لتشمل نمط الحياة اليومي الذي انبثق من هذا التخطيط العمراني المحكم، من خلال تنظيم عروض فنية في الساحات العامة والبطاح التي تتوسط الأحياء القديمة، حيث تلتقي موسيقى المالوف الأندلسي مع هيبة الجدران العتيقة.

ويتضمن البرنامج أيضاً ندوات فكرية وجلسات استكشافية يقودها خبراء في التراث، تهدف إلى تعريف الجيل الجديد والسياح العرب والأجانب بخصائص العمارة الموريسكية التي اعتمدت على تناسق الألوان وتطويع الطبيعة، وتوفير حلول هندسية للري والبناء لا تزال تثير إعجاب المختصين حتى اليوم، مما يجعل من تستور خلال شهر التراث مختبراً مفتوحاً يجمع بين عبق الماضي وتطلعات المستقبل في الحفاظ على هذا الإرث العالمي.

ومع استمرار الفعاليات، تتحول المدينة إلى وجهة سياحية كبرى تستقطب الباحثين عن الأصالة، حيث يتم تثمين الحرف المرتبطة بالعمارة التقليدية من خلال أسواق ومعارض للمنتجات التراثية التي ارتبطت بجمالية البيت التونسي الأندلسي، قبل أن تنتقل شعلة الاحتفالات في رحلة وطنية تنتهي في المتحف الأثري بشمتو بجندوبة يوم 18 ماي.

إن هذه الدورة من شهر التراث في تستور تمثل دعوة مفتوحة لكل عشاق التاريخ والسياحة الثقافية لاستكشاف كيف يمكن للفن المعماري أن يكون لغة عالمية للتواصل، وكيف نجحت تونس في جعل مدنها التاريخية متاحف حية تنبض بالحياة، وتؤكد أن التراث ليس مجرد أطلال، بل هو كيان معماري وروح إنسانية تتوارثها الأجيال بكل فخر واعتزاز.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *