آخر الأخبار

القلعة بدوز.. سيمفونية الرخام والرمال التي ترفض الصمت

شارك

جليلة كلاعي

تغفو قرية “القلعة” على كتف الصحراء التونسية بمحافظة قبلي، كأنها حارسٌ أبدي للتاريخ، تختزل في تفاصيلها حكاية تمتد من القرن الخامس قبل الميلاد إلى أوج الحداثة الثقافية. هذه الربوة التي تعلو سطح الأرض، لم تكن مجرد حصنٍ دفاعي في غابر الأزمان، بل هي صرحٌ إنساني بناه الأمازيغ الأوائل وسكنه الرومان، لتتحول اليوم إلى وجهة سياحية وثقافية فريدة، تسرق الأنظار بهدوئها المهيب وجمالها الفطري الذي يزاوج بين خضرة الواحات الممتدة وزرقة السماء الصافية، مشكّلةً لوحةً طبيعية لا تخطئها عين الباحث عن الروح الحقيقية للجنوب التونسي.

إن المتأمل في وجوه أهل القلعة يدرك فوراً سرّ ذياع صيت هذه المنطقة؛ فدماثة الأخلاق ليست مجرد وصفٍ عابر، بل هي دستور حياةٍ يومي يترجم قيم الكرم الحاتمي والترحاب المتجذر في وجدان “القلعية”.

هذا المجتمع الذي نجح في الحفاظ على نسيجه الاجتماعي المتماسك رغم رياح التغيير، يُعدّ أنموذجاً للتضامن الإنساني، حيث يمتزج عبق الماضي بآمال الشباب الطامح، مشكلاً بيئة آمنة وحاضنة لكل زائر، تجعله يشعر منذ اللحظة الأولى أنه في بيته وبين أهله، بعيداً عن صخب المدن وضجيج الحداثة المفتعلة.

وفي قلب هذا السكون الصحراوي، تفجّرت ثورةٌ ثقافية جعلت من القلعة قبلةً للمبدعين من شتى أصقاع الأرض. فبعد النجاح الباهر للدورة الحادية عشرة لـ “مهرجان اللّمة” الذي أحيا الموروث الشعبي والصناعات التقليدية، تستعد المنطقة في أواخر شهر أفريل لحدثٍ استثنائي يرسخ مكانتها على الخارطة الثقافية العالمية، وهو “المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء”.

هذا الموعد الذي يحول الكثبان الرملية إلى ركحٍ عالمي، لا يكتفي بتقديم العروض، بل يكسر الجدران التقليدية للمسرح ليجعل من الطبيعة البكر فضاءً للحوار بين الحضارات، حيث تصدح أصوات الفنانين من ستين دولة لتلتقي بحكايات الرواة المحليين تحت ضوء النجوم.

إن القلعة اليوم ليست مجرد منطقة جغرافية، بل هي تجربة حياةٍ متكاملة، تمنح السائح العربي فرصة الانغماس في أصالة التراث التونسي، والاستمتاع بمذاق “دقلة النور” الفاخرة، ومتابعة أرفع الفنون الركحية في فضاءات مفتوحة لا تحدها حدود.

هي دعوة مفتوحة لاكتشاف عمق الصحراء التي لا تنطق صمتاً، بل شعراً وفناً وجمالاً، في رحلةٍ تبقى محفورة في الذاكرة كأجمل حكايات الشرق، حيث تظل القلعة تنادي عشاقها بابتسامة أهلها وسحر واحاتها التي لا تنضب.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *