آخر الأخبار

تونس.. مخاض الحبر وصعود الألق في ربيع الكتاب الأربعين

شارك

جليلة كلاعي تونس

من رحم “قصر المعارض بالكرم”، حيث يتنفس المتوسط هواءً محملاً بعبق الورق وصريف الأقلام، تطلّ علينا الدورة الأربعون لمعرض تونس الدولي للكتاب كحدث لا يقتصر على عرض المجلدات، بل يتحول إلى مرآة صقيلة تعكس راهن العقل التونسي ومستقبله

.

إن إعلان القائمة القصيرة لجوائز الإبداع لهذا العام ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو لحظة كشف جوهرية تُبرز جدارة تونس كمختبر لإنتاج المعنى، حيث يتحول فعل الكتابة من ترف جمالي إلى اشتباك يومي مع الهوية، التاريخ، والوجدان الإنساني في ظل تحولات عالمية كبرى.

تجسد القائمة القصيرة هذا العام صراعاً فنياً راقياً بين جيل التأسيس الذي لا يزال يرفد الساحة بوقار التجربة، وجيل الرهانات الجديدة الذي يطوع اللغة لتلائم قلق العصر.

في فئة الرواية، نلحظ انزياحاً واضحاً نحو تسريد الذاكرة الجمعية وإعادة تفكيك المسكوت عنه، حيث تتشابك الهواجس الذاتية بالأسئلة الوطنية الكبرى، مما يؤكد أن الرواية التونسية باتت تمتلك جرأة الحفر في طبقات الوعي لتستخرج منها سرديات تتجاوز المحلية نحو أفق إنساني رحب.

أما في صنف الشعر والدراسات، فيبدو العقل التونسي وفياً لمنهجه التحليلي الرصين، إذ تبرز الأعمال المختارة قدرة فائقة على المزاوجة بين الموروث الفلسفي العريق وبين مقاربات الحداثة، مما يجعل من الكتاب التونسي جسراً ثقافياً عابراً للقارات.

إن اختيار هذه الأسماء بعناية فائقة يعكس ذائقة نقدية تسعى لتكريس الجودة وتجاوز النمطية، حيث لم تعد الجوائز مجرد تكريم مادي بقدر ما هي شهادة استحقاق تضع المبدع أمام مسؤولية الاستمرارية.

وبالنظر إلى التنوع الموضوعاتي في القائمة، من القصة القصيرة التي تستعيد وهجها، إلى الترجمة التي تمثل رئة التلاقح مع الآخر، ندرك أن معرض تونس في دورته الأربعين يرسخ مكانته كقطب سياحي ثقافي بامتياز، يغري عشاق الكلمة من كل حدب وصوب بزيارة “مطهر العقول” هذا، حيث تذوب الحدود بين الكاتب والقارئ في احتفالية كونية تعيد للكلمة سطوتها المقدسة في زمن الصورة العابرة، مؤكدة أن تونس ستظل دائماً عاصمة للأبجدية ومنارة للحرية الفكرية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *