عبد الوهاب البراري.
مكتب تونس مجلة السياحة العربية
“أكون أو لا أكون”… لم يكن هذا تساؤلاً لـ “هاملت” فوق خشبة من خشب، بل كان صرخة صامتة أطلقها الحجر في قلب الصحراء التونسية، ليُعلن ولادة “كولوسيوم تيسدروس” (الجم) EL JEM؛ ذلك العملاق الذي نهض من غبار الأرض لينافس روما في كبريائها، وليثبت أن العظمة ليست حكراً على العواصم، بل هي قدرُ من يجرؤ على الحلم بين الرمال.
إننا أمام بناءٍ لم يُشيّد ليكون جداراً، بل ليكون مرآة تعكس صراع الإنسان الأزلي مع الزمن، وسيمفونيةً حجرية تعزف ألحان المجد والخيبة في آن واحد، حيث تتداخل هندسة الأقواس مع تعرجات القدر الإنساني

إن المتأمل في هندسة هذا الصرح يدرك أنه لم يكن مجرد استنساخ معماري، بل كان بياناً سياسياً كُتب بلغة الرخام والتراب؛ ففي عام 238 ميلادي، وفي لحظة غليان إمبراطوري، أراد الوالي “غورديان” أن ينحت خلوده الخاص، فاستحضر حجر “سلقطة” القادم من عمق البحر ليصيغ منه ثلاث طبقات من الأقواس التي تتحدّى الجاذبية والنسيان. هنا، تكمن العبقرية التحليلية لهذا البناء؛ فكل قوس هو بوابة لعالم من التناقضات، حيث تلتقي دقة الحسابات الرومانية بخشونة الروح الإفريقية، لتخلق فراغاً دائرياً قادراً على احتواء صرخات خمسة وثلاثين ألف متفرج، وكأنه رحمٌ ضخم تولد فيه قصص الشجاعة والموت كل يوم تحت شمس لا تعرف الرحمة

وفي دهاليز هذا العملاق، حيث تهمس الجدران بوقائع لم يروِها مؤرخ، نجد المسرح الحقيقي للتراجيديا البشرية؛ تلك الممرات المظلمة التي شهدت زئير الوحوش وقرقعة السيوف، لم تكن سوى كواليس لمسرحية “القدر” الكبرى. لقد كان المصارعون يخرجون من عتمة الأقبية إلى ضوء الساحة كما يخرج الممثل من خلف الستار، يعلمون أن “التصفيق” قد يكون رثاءهم الأخير، وأن إشارة إبهام واحدة من إمبراطور أو حشدٍ هائج كفيلة بإنهاء فصل حياتهم. إنها الفلسفة الشكسبيرية في أبهى تجلياتها: “الحياة ليست سوى ظلٍّ ماشٍ، ممثلٌ مسكين يتبختر ويستشيط غضباً لساعته على المسرح، ثم لا يُسمع له ركاز”، وهكذا كانت تيسدروس، ركحاً للدماء والدموع، حيث المجد زائل والحجر هو الشاهد الوحيد الباقي.

لكن المأساة لم تقف عند حدود الحلبة، بل امتدت لتشمل صانعها نفسه؛ فكما يسقط أبطال “شيكسبير” في ذروة طموحهم، سقط “غورديان” قبل أن تكتمل فصول حلمه، ليتحول المسرح من مزار للزهو إلى حصنٍ للدفاع. لقد شهدت هذه الحجارة تحولاً درامياً حين احتمت بها “الكاهنة” البربرية، فاستبدلت موسيقى العيد بقعقعة السلاح، وصار المسرح قلعةً تنزف كبرياءً في وجه التحولات التاريخية الكبرى. واليوم، يقف مسرح الجمّ كالملك “لير” في خريف عمره، مثقلاً بالجراح التي خلفتها المدافع وعوادي الزمن، لكنه يحتفظ بتلك الهيبة التي تجبر التاريخ على الانحناء أمام أقواسه المتبقية؛ فهو ليس مجرد أثر سياحي، بل هو نصٌّ تراجيديٌّ مفتوح، يذكرنا بأن قصور الملوك قد تنهار، لكن الفن الذي يُكتب بالعرق والدم يظل “عصياً على الفناء”، شامخاً في وجه الريح كشبحٍ ملكي لا يغادر منصة الوجود.



