آخر الأخبار

جربة تُعيد صياغة “الحوش” بالضوء.. حين تصبح السينما هوية وملاذاً سياحياً

شارك

جليلة كلاعي تونس
جربة – مدنين (تونس)
تغطية صحفية: العوني لعجيل
عدسة: فيروز اللافي

بينما يهرع العالم نحو الشاشات الرقمية الباردة والمنصات المنعزلة، تنبت من قلب “جزيرة الأحلام” جربة دعوة حميمية لاستعادة دفء الحكاية تحت ظلال المعمار العتيق؛ فإعلان السيدة عبلة لسود الماقوري عن عودة مهرجان جربة الدولي للسينما في دورته الثانية، لم يكن مجرد تحديد لموعد ثقافي، بل هو إعلان عن ولادة “دار سينمائية” كبرى تفتح أبواب “حوشها” للعالم، لتمزج بين عراقة المكان وسحر الفن السابع. إن هذا المهرجان، الذي اتخذ من “السينما في حوشنا” شعاراً وفلسفة، يتجاوز كونه تظاهرة عابرة ليصبح مؤسسة ثقافية متنقلة قادرة على تصدير الهوية التونسية إلى ما وراء البحار، خاصة مع تلك الخطوة الجريئة بالتوجه نحو التونسيين في فرنسا، مما يحول المهرجان إلى جسر حيّ يربط المهاجر بذاكرته، والسائح بحلم الاستكشاف.

إن التحليل العميق لاختيار شعار “السينما في حوشنا” يكشف عن ذكاء في استثمار التراث المعماري الجربي، حيث لم يعد “الحوش” مجرد جدران بيضاء وقباب هندسية، بل استحال إلى منصة عرض وتواصل إنساني، وهذا تحديداً ما تحتاجه الساحة الثقافية اليوم: العودة إلى الجذور لإنتاج حداثة بصرية لا تشبه غيرها.

هذه “الدار” الجديدة التي تتبناها إدارة المهرجان بقيادة شخصية عالمية كالسيدة لسود، تدرك أن السياحة الحقيقية في القرن الواحد والعشرين هي “سياحة المعنى”، حيث لا يبحث السائح عن فندق فخم بقدر بحثه عن تجربة روحية واجتماعية، وهو ما يوفره المهرجان حين يدعو ضيوفه لمشاركة العائلات الجربية “حوشها” لمشاهدة شريط سينمائي، في تلاحم فريد بين الخاص والعام، وبين المحلي والعالمي.

وتبرز أهمية هذه التوجهات والمنشورات الثقافية التي يبثها المهرجان في قدرتها على كسر نمطية التلقي؛ فقرار تأجيل الدورة تماشياً مع شغف التونسيين بمنتخبهم في كأس العالم يعكس واقعية واعية تحترم المزاج الشعبي وتصهر الفرح الرياضي بالثراء الثقافي.

إننا أمام رؤية تدرك أن السينما ليست ترفاً، بل هي أداة ديبلوماسية ناعمة، تدعم السياحة عبر الفن، وتخلق صورة ذهنية لجزيرة جربة كمركز إشعاع يتنفس إبداعاً رغم كل التحديات الجيوسياسية المحيطة.

إن هذا المهرجان يضع لبنة أساسية في بناء سياحة ثقافية مستدامة، تجعل من “الحوش العربي” فضاءً عالمياً يتسع للجميع، ويؤكد أن تونس، بجزيرتها الساحرة، لا تزال تملك القدرة على ابتكار الجمال وتصديره، محولةً “السينما” من مجرد عروض تجارية إلى طقس اجتماعي يعيد الاعتبار للإنسان والمكان.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *