جليلة كلاعي توس
حين رست سفن الموريسكيين المهجرين قسراً من شبه الجزيرة الأيبيرية على شواطئ تونس في مطلع القرن السابع عشر، لم تكن تحمل فوق ظهورها مجرد حقائب مثقلة بالخيبات، بل كانت تنقل “بذور حضارة” تأبى الفناء، فتفتحت تلك البذور في تربة “الوطن القبلي” الخصبة، لتخلق مشهداً سريالياً يمزج بين زرقة المتوسط وخضرة السهول وحمرة القرميد الأندلسي.
إن قصة الموريسكيين في هذه الربوع ليست مجرد فصل من فصول اللجوء التاريخي، بل هي ملحمة “إعادة تأسيس” استطاع فيها الإنسان أن ينقل ذاكرة وطن مفقود ليزرعها في جغرافيا بديلة، محولاً منطقة “الرأس الطيب” إلى مرآة عاكسة لغرناطة وإشبيلية وبلنسية، في تلاقح حضاري نادر جعل من الاندماج فعل إبداع لا فعل استسلام.
لقد أعاد الموريسكيون صياغة المشهد البصري والبيئي للوطن القبلي عبر هندسة معمارية وفلاحية قلبت الموازين السائدة آنذاك؛ فبينما كانت القرى التونسية التقليدية ترتكن إلى القباب البيضاء والدروب الملتوية، برزت مدن مثل “سليمان” و”قرمبالية” و”نيانو” بشوارعها الشطرنجية المنتظمة وأسطحها المغطاة بالقرميد الأحمر، كأنها تحاول استحضار الأفق الأندلسي في الذاكرة الجمعية.
هذا التأثير لم يتوقف عند حدود الجماليات، بل تغلغل في عمق الأرض عبر ثورة زراعية صامتة، حيث نقل هؤلاء الوافدون أسرار الري المعقدة وتقنيات “الناعورة”، وحوّلوا الأراضي البور إلى غابات من القوارص وبساتين من الأشجار المثمرة، لترتبط هوية الوطن القبلي منذ ذلك الحين بلقب “حديقة تونس”، وهو لقب مدين بوجوده لتلك العبقرية الموريسكية التي طوعت الطبيعة بروح متوسطية منفتحة.
أما في عمق النسيج الاجتماعي، فقد كان الاندماج الموريسكي في تونس نموذجاً للذوبان الإيجابي الذي حافظ على “الجينات” الثقافية دون الانعزال عن المحيط، ويتجلى ذلك بوضوح في الموروث اللامادي الذي يفوح من أزقة مدن الوطن القبلي.
فالموسيقى الأندلسية أو “المالوف” لم تكن مجرد نغمات عابرة، بل صارت هي الروح التي تمنح المنطقة تميزها الثقافي، تماماً كما هو الحال في فنون الطبخ التي لا تزال تحتفظ بأطباقها ذات المسميات والتركيبات الأندلسية العريقة، حيث يمتزج عبق ماء الزهر بمهارة الحرفي الذي أورث أبناء المنطقة أسرار التطريز والنسيج والخزف.
إن هذا التراث ليس فولكلوراً للفرجة، بل هو محرك اقتصادي واجتماعي مستمر، صبغ الشخصية المحلية في الوطن القبلي بصبغة تجمع بين الأنفة الأندلسية والترحاب التونسي، ليبقى التاريخ هناك شاهداً على أن الحضارات لا تموت بالتهجير، بل تزهر من جديد حين تجد قلوباً تحتضنها وأرضاً تستحق ثراءها.



