جليلة كلاعي تونس
في قلب الشمال الغربي التونسي، حيث تتشابك صخور جبل “الدير” مع عبق التاريخ السحيق، تأخذنا الكاتبة نجاة غرياني ساندليك في رحلة استثنائية عبر صفحات مؤلفها الصادر في مارس 2026، “لو حكت الكاف.. حكايات الساحرة”.
هذا العمل لا يكتفي بكونه سرداً تاريخياً لمدينة “سيكافينيريا” العريقة، بل هو انغماس وجداني في روح المكان، ومحاولة جريئة لاستنطاق الحجارة والأزقة التي صمدت لقرون في وجه النسيان، محولةً الصمت التاريخي إلى همس شاعري يملأ أركان المدينة العتيقة.
تبدأ الكاتبة رحلتها من الزوايا الضيقة للمدينة، حيث لا تشكل الجغرافيا مجرد تضاريس، بل هي مسرح للأرواح والذاكرة الجماعية التي لا تموت. إنها تكتب عن الكاف لا كباحثة في الآثار، بل كابنةٍ وفية تدرك أن عظمة المدينة تكمن في “بشرها” قبل “حجرها”؛ في تلك الوجوه السمراء التي نحتت الهوية الكافية بصبرها، وفي الأيدي التي توارثت فنون طهي “البرزغان” وصناعة المنسوجات الصوفية الثقيلة.
نجاة غرياني تجعل من “التاريخ الصغير” – قصص الجيران في “نهج بوجلوفة”، وأهازيج النساء العفوية في الأعراس، ووقار الشيوخ وهم يرتشفون الشاي في ظلال مقام سيدي بومخلوف – جوهر كتابها، معتبرة أن هذه التفاصيل اليومية هي الحارس الحقيقي للتراث اللامادي الذي يمنح الكاف كبرياءها.
ويبرز العنوان الفرعي “حكايات الساحرة” ليضفي صبغة ميثولوجية ساحرة على السرد، حيث يمتزج الواقع الملموس بالخيال الشعبي في تناغم فريد. تسلط الكاتبة الضوء على المخيال الذي جعل من الكاف مدينة “مسكونة” بالقداسة والغموض، مستحضرةً حكايات الأولياء الصالحين و”البركة” التي تسيج المدينة بهالة روحية تجذب الزوار والمريدين.
هذا البعد الأسطوري، الذي يربط الأرض بالسماء، هو ما يمنح الكتاب حيوية استثنائية، تجعل القارئ يشعر وكأنه يستنشق هواء “القصبة” البارد في ليلة شتوية مقمرة، مستمعاً لقصص الجن والبطولات التي ترويها الجدات حول مواقد النار.
ولا يكتمل المشهد الكافي دون الالتفات إلى الغلاف الذي تتصدره صورة سينما “سيرتا” العتيقة، وهو اختيار يحمل دلالات عميقة تتجاوز الحنين البسيط. إن استحضار هذا المعلم الثقافي هو تحية لزمن التنوير، حين كانت قاعات السينما والمقاهي الأدبية في الكاف مراكز إشعاع فكري وحضاري. سينما “سيرتا” ليست مجرد جدران، بل هي ذاكرة بصرية لأجيال شاهدت من خلال شاشتها العالم، وهي رمز للمدينة التي عرفت كيف تزاوج بين أصالة التصوف وعصرنة الفن السابع.

من خلال هذا العمل، نجحت نجاة غرياني في تحويل ذاكرتها الشخصية إلى وثيقة أنثروبولوجية وطنية، مؤكدة أن المدن التي تُروى قصصها بصدق هي مدن عصية على الموت، وأن الكاف، بلسان كاتبتها، لا تزال تملك الكثير لتقوله لكل من يبحث عن المعنى في ثنايا التاريخ.



