جليلة كلاعي ـ تونس
بحلول السادس عشر من مارس، تستيقظ المدن التونسية على إيقاع مختلف يفوح بعبق الأجداد وتزدهي فيه الشوارع بألوان “الجبة” و”الشاشية” و”السفساري”، حيث تلبس البلاد أجمل حللها احتفاءً باليوم الوطني للصناعات التقليدية واللباس الوطني.

هذا الموعد الذي أُقرّ رسمياً منذ عام 1991، لم يعد مجرد ذكرى عابرة في الرزنامة الوطنية، بل تحول إلى بيان سنوي يؤكد فيه التونسيون تمسكهم بهويتهم الضاربة في عمق التاريخ، في مشهد تمتزج فيه الأصالة بالحداثة، وتتحول فيه المكاتب والمدارس والساحات العامة إلى متاحف حية تنبض بالحياة.
وفي قلب هذا الاحتفال، تقف “صنعة اليدين” كشاهد عيان على عبقرية الحرفي التونسي الذي استطاع عبر القرون أن يحول الطين والنحاس والصوف إلى تحف فنية تحاكي روح العصر دون أن تفقد جوهرها.
فبينما يرتدي المسؤولون والمواطنون لباسهم التقليدي بفخر، تنهمك أنامل الحرفيين في ورشاتهم العتيقة، تماماً كما تظهر تلك الصور القادمة من أزقة المدينة العتيقة، حيث يجلس الخزّاف أمام دولابه ليصيغ من التراب والماء أواني تحكي قصصاً أندلسية وقرطاجية، وبجانبه يحيك النساج بخيوط الصوف حكايات الصبر على أنوال “الزربية” و”المرقوم”، في حين لا يزال عطر “النسري” و”الزهر” المقطر يملأ الأجواء، مذكراً بمهن تقطير الروح التي تميز جهات نابل وزغوان.
إن رمزية هذا اليوم تتجاوز البعد الجمالي لتلامس العمق الاقتصادي والاجتماعي، فقطاع الصناعات التقليدية يمثل اليوم شريان حياة لآلاف العائلات التونسية، ومحركاً أساسياً للسياحة الثقافية التي تنشد الخصوصية والتميز.
ومع ذلك، فإن هذا الإرث يواجه اليوم تحديات كبرى تفرضها العولمة وندرة بعض المواد الأولية، مما جعل من احتفالات هذا العام صرخة متجددة من أجل حماية “العلامة التونسية” ودعم الحرفيين الشباب الذين اختاروا الاستثمار في التراث.
إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على الحفاظ على المهن من الاندثار، بل في كيفية تحويل “الخمسة” و”الريحانة” و”الشاشية” إلى منتجات عالمية تنافس بروحها التونسية الخالصة في أرقى الأسواق الدولية.
وعلى وقع الاحتفاء بالجوائز الوطنية التي تُسند للمبدعين في هذا اليوم، يدرك التونسيون أن اللباس الوطني ليس مجرد قطعة قماش نرتديها ليوم واحد، بل هو درعنا الثقافي وذاكرتنا التي تمشي بين الناس.
فكل نقشة على النحاس وكل غرزة في “الكنتيل” الذهبي الذي يزين “الفرملة” هي توثيق لحضارات تعاقبت على هذه الأرض، من فينيقيين ورومان وعرب وأندلسيين، انصهروا جميعاً ليخلقوا هذا المزيج الفريد الذي نسميه اليوم “تونسياً”.
ومع غروب شمس هذا اليوم، تبقى الوعود قائمة بأن تظل هذه الحرف أمانة تتناقلها الأجيال، ليبقى الحرفي التونسي دائماً هو “حارس الذاكرة” الذي لا ينام.



