جليلة كلاعي تونس
تعتبر عمادة المهندسين التونسيين أن قطاع زيت الزيتون ليس مجرد نشاط فلاحي تقليدي، بل هو محرك استراتيجي معطل يمتلك كل المقومات الضرورية ليتحول إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي الوطني في تونس. وتؤكد العمادة أن هذا القطاع، الذي يساهم حالياً بنحو 40% من إجمالي الصادرات الفلاحية ويوفر مورد رزق لأكثر من مليون تونسي، لا يزال بعيداً عن استغلال إمكاناته الكاملة بسبب غياب رؤية صناعية متكاملة تعتمد على العلم والحوكمة الحديثة، مما يجعل البلاد تخسر فرصاً كبرى في الأسواق العالمية.

ويكمن الخلل الأساسي، حسب تشخيص الخبراء والمهندسين، في ضعف القيمة المضافة الناتجة عن تصدير الجزء الأكبر من الإنتاج الوطني “سائباً” (En vrac)، وهو ما يحرم ميزانية الدولة من عائدات ضخمة بالعملة الصعبة تذهب لصالح شركات التعبئة العالمية التي تعيد تسويق الزيت التونسي تحت علامات تجارية أجنبية.
وترى العمادة أن تجاوز هذا الوضع يتطلب استراتيجية وطنية ترتكز على دعم التعليب المحلي وفرض العلامة التجارية التونسية، مع التوجه نحو تنويع المنتجات لتشمل الصناعات التحويلية كالتجميل والصيدلة، لضمان استرجاع القيمة المفقودة وتطوير المردودية المالية للقطاع.
ومن الناحية التقنية، تشدد عمادة المهندسين على ضرورة معالجة “الفجوة الهندسية” في القطاع، حيث لا تتجاوز نسبة التأطير الهندسي في الفلاحة التونسية 1% فقط.
هذا النقص الحاد يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وصعوبة التأقلم مع التغيرات المناخية والشح المائي.
وتطرح العمادة مشروع قانون يلزم الضيعات الكبرى بالتعاقد مع مهندسين فلاحيين، بهدف رقمنة سلاسل الإنتاج، واعتماد أنظمة ري ذكية، وتطوير البحث العلمي لتحسين سلالات الزيتون، وهو ما من شأنه أن يرفع جودة المنتج ويضمن استدامة المحاصيل في مواجهة الجفاف.
كما تشمل الرؤية الهندسية ضرورة الانتقال نحو الاقتصاد الدائري عبر التثمين الصناعي لمخلفات المعاصر مثل “المرجين” و”الفيتورة”، والتي يمكن تحويلها من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي لإنتاج الأسمدة العضوية والطاقة البديلة.
وعلاوة على الأبعاد التقنية والصناعية، تتقاطع رؤية عمادة المهندسين مع آفاق الإعلام السياحي من خلال مفهوم “السياحة الفلاحية المستدامة”. إذ ترى العمادة أن تطوير القطاع هندسياً وجمالياً سيحول الضيعات الكبرى والمعاصر العصرية إلى مزارات دولية ضمن ما يعرف بـ “طريق الزيتون”. هذا التوجه يمنح السائح تجربة تذوق فريدة لـ “الذهب الأخضر” التونسي في موطنه الأصلي، ويربط بين جودة المنتج وعمق التراث الفني والمعماري للمناطق الداخلية.
إن رقمنة هذه المسالك وتطوير بنيتها التحتية الهندسية سيجعل من زيت الزيتون ليس فقط محركاً للتصدير، بل واجهة سياحية وقوة ناعمة تروج لصورة تونس الحديثة والمبتكرة عالمياً.

فتحويل منظومة زيت الزيتون من إنتاج خام إلى صناعة تكنولوجية متكاملة سيمكن تونس من تعزيز سيادتها الغذائية والاقتصادية، وخلق آلاف مواطن الشغل النوعية للمهندسين والكفاءات الشابة، مما يضع البلاد في صدارة المنافسة الدولية كقوة إنتاجية رائدة ومبتكرة.



