جليلة كلاعي تونس
في هذا الوقت من العام، وبينما تستعد الضفة الجنوبية للمتوسط لاستقبال رداء الربيع الأخضر، تعيش تونس طقساً فريداً يمزج بين أساطير الأجداد وتقلبات الطبيعة الساحرة، فيما يُعرف بـ “قرة حيّان”. إنها الفترة التي يكتشف فيها السائح أن تونس ليست مجرد شواطئ ذهبية، بل هي مخزون هائل من الحكايات التي تشكل وجدان الفلاح التونسي وتنعكس على نمط حياته اليومي.
فبين أواخر مارس وبدايات أفريل، تهب رياح “حيّان” الباردة لتذكر الجميع أن الشتاء لا يرحل دون وداع مهيب، وهي أيام تتسم بجمالية خاصة حيث تكتسي أشجار اللوز بزهورها البيضاء والوردية، لترسم لوحة سريالية وسط زخات المطر والبرد المفاجئ، في مشهد يغري عشاق التصوير والباحثين عن السياحة الثقافية والبيئية الأصيلة.

تتجاوز “قرة حيّان” كونها ظاهرة مناخية لتصبح تجربة إنسانية يلمسها الزائر في الأسواق والمقاهي الشعبية، حيث يتردد صدى الأمثال الفلاحية التي تحذر من “غدر نوار اللوز”. وتحكي المأثورات التونسية قصة الراعي “حيّان” الذي غره تفتح الزهور الباكر، فباغته البرد القارس وفقد قطيعه، لتبقى صرخته الشهيرة “غريت بيا يا نوار اللوز” درساً في الصبر والتأني تتوارثه الأجيال. هذا التمازج بين دفء القلوب وبرودة الطقس يمنح الرحلة إلى تونس نكهة مختلفة، حيث يلتف التونسيون حول أطباقهم التقليدية الساخنة مثل “الكسكسي” و”اللبلابي”، مما يوفر للسياح فرصة ذهبية لتذوق المطبخ التونسي في أبهى تجلياته الشتوية المتأخرة، وسط أجواء من الألفة والستر التي ميزت بيوت التونسيين عبر العصور.
إن دعوة السائح العربي لزيارة تونس خلال هذه الأيام هي دعوة لاستكشاف “روح الأرض” بعيداً عن صخب المواسم التقليدية.
ففي هذه الفترة، تكتسي الجبال والسهول التونسية برداء من الخصوبة، وتصبح الغابات ملاذاً لمن ينشد الهدوء في انتظار “الغيث النافع” الذي يحيي الزرع ويبشر بموسم حصاد وفير.
هي دعوة لاختبار تونس التي لا تؤتمن في بردها لكنها تُعشق في كرمها وصدق موروثها، حيث تظل “قرة حيّان” شاهدة على علاقة حب أبدية بين التونسي وتربته، ومناسبة لرفع الأكف بالدعاء أن يرزق الله هذه الأرض من واسع فضله، لتظل تونس خضراء، ولادة، ومرحبة بكل زوارها بعبق التاريخ ونوار اللوز الصامد.