ساعة تستور: حين يدور الزمن عكس اتجاه الحني

شارك

جليلة كلاعي تونس

في قلب مدينة تستور التونسية، المتربعة على هضاب وادي مجردة، تقف مئذنة الجامع الكبير شامخة ليس فقط كمعلم ديني، بل كشاهد حي على واحدة من أعظم قصص الوفاء للجذور في التاريخ العربي الأندلسي.

هناك، ترتفع ساعة فريدة لا تشبه سواها في العالم؛ عقاربها لا تنصاع للمألوف، بل تدور من اليمين إلى اليسار، وأرقامها تترتب في اتجاه عكسي، لتخلق ذهولاً لدى كل زائر يرفع عينيه نحو قمتها، باحثاً عن سر هذا التمرد على منطق الزمن.

هذا الإرث المادي الذي شيده المهندس الأندلسي “محمد تغرينو” في القرن السابع عشر، لم يكن مجرد ابتكار تقني أو هندسي، بل كان رسالة مشفرة صاغها الموريسكيون الذين طُردوا من ديارهم في الأندلس واستقروا في تونس.

يرى المؤرخون في هذا الدوران المعكوس تجسيداً فلسفياً لرغبة دفينة في “عودة الزمن إلى الوراء”، عسى أن تعود تلك الأيام الخوالي في غرناطة وقرطبة، أو ربما هي محاكاة لحركة الطواف حول الكعبة المشرفة، مما يمزج بين الحنين إلى الوطن والتمسك بالعقيدة في آن واحد.

تتجاوز ساعة تستور قيمتها الأثرية لتصبح أيقونة سياحية تربط الحاضر بالماضي، فبعد عقود من الصمت، عادت عقاربها للدوران في عام 2014 بجهود وطنية، لتعلن للعالم أن ذاكرة الشعوب لا تموت.

إن زيارة هذا المعلم تمنح السائح تجربة شعورية استثنائية، حيث يمتزج عبق الفن المعماري القرميدي الأندلسي بروح المدينة الهادئة، مما يجعل من تستور وجهة لا غنى عنها لهواة التاريخ والجمال الذين يبحثون عن قصص إنسانية حُفرت على الرخام والحجر.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *