جليلة كلاعي تونس
في خطوة استراتيجية تترجم العمق الإفريقي للدبلوماسية التونسية، شهدت العاصمة الغامبية “بانجول” تتويجاً جديداً للإعلام التونسي بانتخاب تونس عضواً في المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي للتلفزيون.
هذا الاستحقاق القاري، الذي جاء خلال أشغال الجمعية العامة السابعة عشرة للاتحاد، لم يكن مجرد فوز انتخابي عابر، بل هو اعتراف دولي بمكانة تونس كحاضرة إعلامية وفنية تمتلك من الكفاءات والخبرات ما يؤهلها للمساهمة بفاعلية في رسم مستقبل المشهد السمعي البصري في القارة السمراء، وتأكيداً على أن المؤسسات الوطنية التونسية تمتلك رؤية طموحة لتطوير مجالات البث وتبادل المحتويات الهادفة التي تخدم قضايا التنمية والسياحة والثقافة في المنطقة.
وقد جسدت المشاركة التونسية في هذا المحفل القاري، من خلال وفد رفيع المستوى ترأسه السيد شكري بن نصير، الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية، إرادة الدولة في استعادة بريقها داخل الهياكل الإعلامية الكبرى، حيث سعى الوفد منذ انطلاق الأشغال إلى تعزيز أواصر التعاون مع مختلف مؤسسات البث الإفريقية.
إن هذا التواجد التونسي في قلب صناعة القرار الإعلامي الإفريقي يفتح آفاقاً واسعة لتطوير الإنتاجات المشتركة وتبادل الخبرات التقنية والبرامجية، خاصة في ظل التحديات الرقمية التي تواجهها القارة، مما يعزز من قدرة التلفزة التونسية على تسويق المحتوى الثقافي والسياحي التونسي وتقديمه للجمهور الإفريقي الذي يمثل سوقاً واعدة ومجالاً حيوياً للتبادل الحضاري.
ويأتي هذا النجاح القاري ليعكس نضج التجربة الإعلامية التونسية وقدرتها على الإشعاع خارج حدودها، حيث يمثل انتخابها في المجلس التنفيذي تقديراً مباشراً لمساهمة الكفاءات التونسية المشهود لها بالتميز في مجالات الإنتاج والإخراج والإدارة الإعلامية.
كما يبرز هذا الحضور القوي لتونس في المشهد الإعلامي الإقليمي كلاعب رئيسي في تعزيز التضامن الإعلامي بين دول القارة، وتطوير منصات إعلامية قادرة على مواجهة العولمة ونقل الصورة الحقيقية لإفريقيا بلسان أبنائها، وهو ما يتقاطع مع تطلعات تونس في بناء شراكات استراتيجية متينة تدعم حضورها الاقتصادي والثقافي في عمقها القاري الطبيعي.
ولعل أجمل ما في هذا الاستحقاق هو تزامنه الرمزي مع احتفال التلفزة التونسية بالذكرى الستين لتأسيسها، تلك المؤسسة العريقة التي كانت وما زالت منارة للإبداع العربي والإفريقي.

إن هذا التزامن يمنح الفوز بعداً تاريخياً، حيث يربط بين عراقة الماضي وإنجازات الحاضر، ويؤكد استمرارية تطور هذه المؤسسة وقدرتها على تجديد نفسها عبر ستة عقود من العطاء. ففي الوقت الذي تحتفل فيه “الوطنية” بيوبيلها الماسي، تفتح بانتخابها هذا صفحة جديدة من الريادة الدولية، مبرهنة على أن الخبرة التونسية قادرة دائماً على قيادة المبادرات الإعلامية الكبرى وتحقيق النجاحات التي تليق بمكانة تونس التاريخية والحضارية.



