آخر الأخبار

بين الأمس واليوم: سياحة “الريكاب” تعيد إحياء ذاكرة المدن العربية

شارك

جليلة كلاعي تونس

تكتسح منصات التواصل الاجتماعي موجة بصرية ساحرة تُعرف بسياحة “الريكاب” أو “النوستالجيا”، وهي ليست مجرد استعراض لصور قديمة، بل هي جسر عاطفي يربط جيل الحاضر بجذور الأمكنة.

 

يعتمد هذا النوع من السياحة على تقنية مقارنة المواقع التاريخية بحالتها الراهنة، مما يخلق دهشة بصرية تكشف عن صمود التراث في وجه التحديث، أو قدرة المدن على استعادة بريقها المفقود من خلال الترميم الذكي الذي يحافظ على الروح القديمة بلمسات عصرية تلبّي احتياجات المسافر المعاصر.
في قلب القاهرة، تتجسد هذه الظاهرة بوضوح داخل المقاهي التاريخية التي كانت يوماً ما مكاتب مفتوحة للأدباء ومنطلقا للثورات السياسية.

فحين نضع صورة لمقهى “الفيشاوي” في الحسين قبل قرن من الزمان بجانب صورته اليوم، نكتشف أن رائحة البخور وتفاصيل المشربيات الخشبية لم تتغير، بل ازدادت تعتيقاً وهيبة.
وكذلك الحال في مقهى “ريش” بوسط المدينة، الذي لا يزال يحتفظ بطابعه الباريسي، وكأن الزمن توقف خلف أبوابه ليحكي لزوار اليوم قصص المثقفين الذين صاغوا وجدان المنطقة من على مقاعده الخشبية العتيقة.

وبالانتقال إلى دبي، نجد نموذجاً مبهراً لكيفية استعادة الأحياء القديمة لبريقها دون المساس بهويتها الأصلية. حي “الفهيدي” التاريخي وأزقة “الشندغة” يقدمان تجربة “ريكاب” استثنائية؛ حيث تحولت البيوت ذات الأبراج الهوائية التقليدية (البراجيل) من أطلال صامتة إلى متاحف نابضة ومعارض فنية عالمية.

إن المقارنة البصرية بين ضفاف “خور دبي” قديماً، حيث كانت السفن الخشبية هي شريان الحياة الوحيد، وبين منطقة “السيف” اليوم، تعكس فلسفة سياحية ناجحة نجحت في دمج عبق الماضي بترف الحاضر، مما يمنح السائح رحلة عبر الزمن في بقعة واحدة.
إن نجاح هذا المحتوى السياحي يكمن في قدرته على مخاطبة الوجدان والذاكرة الجماعية، فهو يدعو السائح ليس فقط لزيارة المكان، بل لاستكشاف حكايته وتطوره عبر العقود.


هذه السياحة البصرية تعزز قيمة الحفاظ على المعالم التاريخية، وتدفع بالوجهات العربية إلى صدارة المشهد السياحي العالمي كمدن حية تجمع بين عراقة التاريخ وطموح المستقبل، مما يجعل من كل زاوية قديمة قصة تستحق أن تُروى وتُصوّر من جديد لتلهم أجيالاً قادمة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *