آخر الأخبار

كنوز قرطاج المنهوبة: قراءة في دلالات الإنزال الافتراضي لليونسكو لثلاثة من أثمن آثار تونس

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين تصبح الذاكرة نهباً، وتتحول الشواهد الأثرية إلى رهائن في غرف المجموعات الخاصة أو أقبية الأسواق السوداء، لا يعود الفقد مجرد غياب لقطعة رخام أو مخطوطة عتيقة، بل يتحول إلى جرح غائر في الهوية الوطنية والشخصية الحضارية للأمم.

يأتي تفاعل منظمة اليونسكو بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، من خلال تسليط الضوء على ثلاث قطع أثرية تونسية مفقودة، ليعيد صياغة أزمة تهريب الآثار ليس بوصفها حدثاً جنائياً عابراً، بل بوصفها معركة وجودية تشنها الذاكرة الجماعية ضد النسيان والتواطؤ الدولي.

إن هذا الإجراء، الذي يندرج ضمن مشروع “المتحف الافتراضي للممتلكات الثقافية المسروقة” بالتعاون مع الإنتربول، يمثل تحولاً استراتيجياً في آليات المقاومة الثقافية، حيث يُمسي الفضاء الرقمي ساحة للمطاردة الأخلاقية والقانونية لكل من يستبيح تاريخ تونس العظيم.

إن الغوص في تفاصيل القطع الثلاث المفقودة يكشف عن اختيار يختزل التحولات الفكرية والروحية التي مرت بها تونس عبر العصور، وكأن المهربين تعمدوا سرقة فصول مفصلية من تاريخ هذا البلد.

نجد أولاً تمثال “كيوبيد الجالس على دلفين”، ذلك الأثر الرخامي الصغير المستخرج من الموقع الأثري بـ “دقة”، والذي يعود إلى الحقبة الرومانية، حيث يختزل هذا التمثال فلسفة الفن الكلاسيكي وتمازج الأساطير الإنسانية على أرض إفريقيا البروفنصالية.

وفي ذات الموقع، تبرز خسارة منحوتة “رأس إلهة” الرخامية التي عثر عليها قرب مبنى الكابيتول، لتؤكد كيف كانت تونس مركزاً للإشعاع النحتي الروماني، حيث يحمل هذا الرأس المتضرر جزئياً ملامح الجمال والسيادة الثقافية التي سادت شمال إفريقيا.

أما القطعة الثالثة، وهي الصفحة المزخرفة من المصحف الشريف المكتوبة بالخط الكوفي الملون والمذهّب من القيروان، فإنها تمثل الانتقال نحو الذروة الروحية والحضارية الإسلامية في القرن العاشر الميلادي، لتشكل هذه الثلاثية لوحة متكاملة من التعددية الحضارية التي صهرتها تونس في هويتها الخاصة.

لا يمكن قراءة خطوة اليونسكو الأخيرة بمعزل عن الوعي السياحي والثقافي المتنامي، فالقطع المفقودة ليست مجرد معروضات صامتة في متاحف، بل هي قاطرة الجذب السياحي التي تصنع “سياحة المعنى” وتمنح المواقع التونسية مثل “دقة” و”القيروان” شرعيتها وجاذبيتها العالمية.

إن غياب هذه الكنوز يفقد السياحة الثقافية جزءاً من بريقها الحيوي، ويحول المتاحف من فضاءات للدهشة الحية إلى قاعات لرثاء المفقودات. ومن هنا، يصبح استخدام التكنولوجيا الافتراضية لعرض هذه المسروقات بمثابة ميثاق شرف دولي يمنع تداول هذه القطع، ويضيق الخناق على هواة جمع الآثار بطرق غير مشروعة، محولاً هذه الآثار إلى “قطع مشعة” يسهل رصدها وضبطها في أي مزاد عالمي.

في المحصلة، إن معركة استرداد الآثار التونسية المنهوبة تتجاوز البعد القانوني الصرف لتصبح واجباً سياحياً، وثقافياً، وسيادياً من الدرجة الأولى.

إن “المتحف الافتراضي” لليونسكو، وإن كان يمنحنا عزاءً مؤقتاً برؤية هذه الكنوز رقمياً، إلا أنه يظل صرخة تذكيرية مستمرة بضرورة التعبئة الشاملة لحماية ما تبقى، والنضال الدبلوماسي لاستعادة ما سُرق.

فتاريخ تونس، الممتد عبر آلاف السنين، لا يمكن أن يظل مجتزأً أو موزعاً في الخفاء، لأن كل قطعة أثرية تعود إلى مهدها هي بمثابة عودة الروح إلى جسد التاريخ التونسي، وإعادة الاعتبار للمنتج السياحي العربي الذي يستمد قوته من أصالة وجذور هذه الأرض.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *