آخر الأخبار

آفاق “الاقتصاد البرتقالي” في تونس: كيف تعيد “كونكت” هندسة الصناعات الإبداعية من بوابة الجهات

شارك

جليلة كلاعي تونس

بينما تبحث الاقتصادات الحديثة عن بدائل مستدامة تتجاوز المفهوم التقليدي للثروات الطبيعية، تصعد “المادة الرمادية” والأفكار المبتكرة لتشكل جوهر ما بات يُعرف عالمياً بـ “الاقتصاد البرتقالي”، وهنا تبرز تونس كأرض خصبة تتقاطع فيها عراقة الموروث الثقافي مع فتوة الكفاءات الرقمية.


في هذا السياق الاستراتيجي، يأتي إعلان كنفيدرالية المؤسسات المواطنة التونسية “كونكت” عن إعادة تأسيس المجمع المهني للصناعات الإبداعية والرقمية، ليمثل نقطة تحول محورية تتجاوز مجرد التعديل الهيكلي التجميلي، إلى صياغة رؤية اقتصادية شاملة تراهن على اللامركزية والحوكمة الجهوية كرافعة أساسية للتنمية المستدامة.

إن هذا التوجه الجديد يعكس وعياً عميقاً بضرورة تفكيك المركزية المقيتة التي طالما كبلت الطاقات الإبداعية في المحافظات الداخلية، وحرمت المبدعين الشباب من الوصول العادل إلى شبكات التمويل والأسواق الإقليمية والدولية. إن الرهان اليوم لا يقتصر على تنظيم قطاعات مستحدثة مثل تطوير ألعاب الفيديو، والرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد، والتصميم الرقمي، والسينما، بل يمتد إلى مأسسة هذه القطاعات لتصبح ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني القادر على الصمود.
ومن خلال إرساء آليات حوكمة جهوية مرنة، يسعى المجمع إلى تحويل كل جهة تونسية إلى قطب جاذب للاستثمار الإبداعي، مستفيداً من الخصائص الثقافية والهويات الفريدة لكل منطقة، لدمجها ضمن سلاسل القيمة المضافة العالية.

في المقابل، يواجه هذا الطموح تحديات هيكلية وتشريعية تتطلب من المجمع الجديد أن يتحول إلى “قوة اقتراح” حقيقية أمام سلطات القرار، فالتحول نحو الحوكمة الجهوية الفعالة يستوجب توفير بيئة تشريعية مرنة، وتسهيل النفاذ إلى القروض الموجهة للمشاريع الثقافية والرقمية، فضلاً عن تطوير البنية التحتية التكنولوجية في الجهات.
إن نجاح هذه المبادرة يظل رهيناً بمدى قدرتها على مد جسور الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وربط الكفاءات المحلية بالمنصات العالمية، وهو ما تتيحه شبكة علاقات “كونكت الدولية” التي يمكنها فتح أسواق جديدة للتصدير الرقمي والإنتاج الثقافي التونسي خارج الحدود.


في المحصلة، يمثل المجمع المهني بحلته الجديدة بداية عهد جديد للاقتصاد الذكي في تونس، عهد يثبت أن الاستثمار في الفكر والابتكار واللامركزية هو المفتاح الحقيقي لتحقيق السيادة الاقتصادية والمجتمعية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *