جليلة كلاعي تونس
في خطوة استراتيجية لتعزيز أمنها البيئي والغذائي، أعلنت تونس رسمياً عن الشروع في إعداد خارطة طريق وطنية لحماية واستعادة معشبات البوسيدونيا (Posidonia oceanica).
تأتي هذه المبادرة تتويجاً لجهود “أيام معشبات البوسيدونيا” التي نظمها الصندوق العالمي للطبيعة (WWF North Africa)، لتمثل نقطة تحول في كيفية إدارة الموارد البحرية التونسية.
إن هذا التوجه الوطني الجديد ينطلق من إدراك عميق بأن البوسيدونيا ليست مجرد أعشاب بحرية عادية، بل هي “رئة المتوسط” التي تضخ الحياة في سواحلنا، حيث ينتج المتر المربع الواحد منها ما يصل إلى عشرين لترًا من الأكسجين يوميًا، مما يجعلها صمام أمان حقيقي للمنظومة البيئية البحرية.
وتتجاوز أهمية هذه المعشبات وظيفتها الحيوية في تنفس البحر لتلعب دوراً محورياً كحاجز طبيعي يكسر حدة الأمواج ويمنع تآكل الشواطئ وانجراف التربة، وهي معضلة تؤرق السواحل التونسية منذ عقود.
وتمتد آثار هذه الخارطة لتشمل البعد الاقتصادي والاجتماعي المباشر، إذ توفر هذه الغابات المائية المأوى والحاضنة لأكثر من أربعين بالمائة من الكائنات البحرية والأسماك التي تمثل ركيزة الصيد التقليدي في تونس.
ومن خلال حماية هذه المساحات، تضمن الدولة استدامة مورد رزق لأكثر من مائة وخمسين ألف صياد، وتعزز مساهمة قطاع الصيد البحري في الناتج المحلي الإجمالي.
كما تضع الخارطة مفهوم “الكربون الأزرق” في قلب استراتيجيتها، حيث تبرز قدرة البوسيدونيا الفائقة على امتصاص وتخزين الكربون بفعالية تتجاوز الغابات الاستوائية، مما يمنح تونس ورقة ضغط ومساهمة قوية في مفاوضات المناخ العالمية وجهود الحد من الاحتباس الحراري.
وتتضمن الرؤية الوطنية المقترحة آليات عملية تتجاوز مجرد التشخيص، حيث تركز على تحديث الخرائط البحرية وتفعيل شبكات المراقبة المستمرة لرصد التجاوزات الناتجة عن الصيد غير القانوني أو التلوث الكيميائي والحراري.
كما تشجع الخارطة على تبني الحلول القائمة على الطبيعة، مثل مبادرات إعادة الاستزراع والترميم البيئي للمناطق المتضررة، مع دمج المجتمعات المحلية والجمعيات البيئية في عملية الحوكمة.

إن الطموح التونسي يتماشى مع الأهداف الإقليمية الرامية لاستعادة كامل المعشبات المهددة بحلول عام 2030، مما يجعل من هذه الخارطة عقداً اجتماعياً وبيئياً جديداً يهدف إلى مصالحة التونسيين مع بحرهم وضمان إرث بحري مستدام للأجيال القادمة، بعيداً عن الاستغلال العشوائي الذي استنزف هذه الثروة الصامتة لسنوات طويلة.



