محمد العجلان السعودية
أقامت الفنانة والباحثة السعودية سارة العبدلي، معرضها الشخصي “مهد الأسطور” نظمه حافظ جاليري خلال الفترة من 21 أبريل إلى 24 مايو 2026 في مدرسة الفلاح، البلد جدة التاريخية. ويُعدّ هذا المعرض الثالث للفنانة في المدينة، حيث يقدّم تأمّلًا عميقًا، متعدد الطبقات في هوية جدة المركّبة، تلك التي تتأرجح فيها الأسطورة والتاريخ في توتر دائم وخلاق.

يرتكز المعرض على استعارة “الأرض الأم” بوصفها أصلًا وعتبة في آن واحد، حيث يُقارب المدينة ككائنٍ حي يخضع لدورات من السكون والتجدد. وانطلاقًا من السردية الراسخة التي ترى في جدة مرقدًا لحواء، تتأمل العبدلي المدينة كموقع للعبور والتراكم، حيث تتقاطع الذاكرة والمعتقد والتجربة المعاشة وتتحوّل عبر الزمن.
لطالما انشغلت العبدلي بأسئلة الثقافة المادية وتمثّلاتها، إلا أنها تتبنى هنا لغة بصرية أكثر تكثيفًا وتجريدًا. ومن خلال مجموعة أعمال تمتد بين الرسم، والنسيج، وتقنيات الطباعة، تتقصّى الحدود المرنة بين ما يُحفظ، وما يُفقد، وما يعاد تشكيله عبر الذاكرة المشتركة. وتنبثق عبر المعرض شذرات معمارية وثقافية، بوصفها آثارًا لإرث يقاوم المحو، حتى وهو يتراجع تدريجيًا إلى حيز الأسطورة.
وتكمن فكرة التعامل مع الأسطورة بوصفها بنية حيّة وفاعلة، لا مجرد سرد ثابت للماضي. وفي هذا الإطار، يسلط المعرض الضوء على البعد الأنثوي للمدينة باعتباره موضعًا للانتقال والاحتواء والاستمرارية، حضورًا يتجلى بخفة داخل الشكل والمادة على حدّ سواء.

يجمع معرض مهد الأسطورة بين أعمال منفذة بالجواش والفحم، وتقنيات الطباعة اليدوية، إلى جانب تكوينات نسيجية، تتوسّع عبر تعاونين رئيسيين. الأول مع علامة «طبعة»، التي أسستها الفنانة، ويتجسّد في عمل «مانحات الإجازة»، حيث تنساب خيوط الحرير لتشكّل امرأتين من الحجاز ضمن تكوين مستلهم من وحدات الروشان (المشربية).
أما التعاون الثاني، فجاء بتنسيق من الدكتور سيف الرشيدي، ويجمع نخبة من الحرفيين من القاهرة المتخصصين في فن الخيامية، أحد أعرق تقاليد النسيج في العالم الإسلامي. وتمتد عبر هذه التعاونات أسئلة المعرض حول الزمن، والحِرفة، وانتقال المعرفة عبر الأجيال.
وتعد سارة العبدلي، فنانة وباحثة سعودية من جدة. تستكشف أعمالها، التي تركز بشكل مجمل على الهوية والثقافة المادية من خلال الرسم، كل ما يتعلق بالانتماء والسرد التاريخي. عملت كمستشارة في مجال البحث والفنون والحرف التقليدية، حيث قدمت استشارات لعملاء دوليين و حكوميين مرموقين مثل الهيئة السعودية للسياحة والآثار ومؤسسة “تركواز ماونتن”. في عام 2023، قيّمت معرضها المنفرد الثاني “حيث تنمو العُشار” في جاليري حافظ في جدة، كما تم تعيينها قيّم فني مساعد في بينالي الفنون الإسلامية في جدة. في عام 2025، نشرت أولى رواياتها “رحيل في أعماق المدينة”, لتوسع بذلك ممارستها إلى السرد الأدبي.
بدأت مسيرتها الفنية مع أعمال الغرافيتي في عام 2012 التي كانت الأولى من نوعها يتم عرضها عالميًا، مما شكل بداية لاستكشافها المستمر لوسائط متنوعة. في عام 2023، أسست طبعة، علامتها التجارية التابعة للاستوديو التي تتعاون من خلالها مع المصممين والعلامات التجارية لإعادة تصور الفن في سياق الثقافة الاستهلاكية.

وتركز ممارستها الفنية على إحياء السياقات التاريخية المنسية، خاصة تلك المتعلقة بالنساء والهندسة المعمارية والهياكل الاجتماعية. من خلال لوحاتها، تسعى إلى سرد القصص غير المروية لهذه المواضيع التي غالبًا ما تكون مهمشة في الفن والثقافة.
وقدمت سارة العبدلي أعمالها في المتحف البريطاني في لندن وشاركت في العديد من المعارض المحلية والدولية، بما في ذلك بينالي الفنون الإسلامية الأول: أول بيت 2023 في جدة، بينالي القاهرة الثالث عشر: أعين على الشرق 2019، آرت باريس في غراند باليه 2018، مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية 2017، معرض ستارت في جاليري ساتشي في لندن 2014، ومعرض #تعالوا معًا في لندن 2012 والمزيد.
وتقول العبدلي: «يتناول معرض مهد الأسطورة، أن الأسطورة بوصفها ليست بعيدة ولا ثابتة، بل تتشكّل باستمرار عبر الذاكرة والمادة والمكان. وتنبثق جدة هنا بوصفها موضوعًا وشاهدًا في آنٍ واحد، حيث لا تُحفَظ السرديات فحسب، بل يُعاد تشكيلها على الدوام.»

يذكر أن جاليري حافظ تأسس عام 2014 على يد قسورة حافظ، ليكون منصة انطلاق لكثير من الفنانين السعوديين الرواد والناشئين، سعيًا لإبراز ملامح المشهد الفني السعودي ودعم تجارب المواهب المحلية.وفي إطار رسالته، واصل الجاليري تنظيم سلسلة من المعارض والفعاليات التي تضم نخبة من الفنانين البارزين من مختلف أنحاء العالم العربي، من سوريا ومصر والسودان ولبنان، إلى جانب تعاونات مع فنانين عالميين تهدف إلى إيصال نتاج المنطقة إلى أوسع مدى عالمي. كما يسعى الجاليري إلى توسيع نطاق حضوره، وإبراز الثقافة البصرية والفنون السعودية على المستويين الإقليمي والدولي، في الوقت الذي يواصل فيه جهوده لتعزيز دوره المؤثر داخل المجتمع.




