جليلة كلاعي تونس
بين أروقة معرض تونس الدولي للكتاب، حيث يتصاعد عبق الورق ويختلط بضجيج الأفكار الباحثة عن مرفأ، تبرز “دار العلوي للنشر والتوزيع” لا كجناح عابر، بل كظاهرة ثقافية استطاعت في زمن قياسي أن تعيد صياغة المشهد الفكري التونسي برؤية تجمع بين الرصانة البحثية والجرأة السياسية.

إن المتأمل في الحشود التي تقصد هذا الجناح يدرك أننا لسنا أمام مجرد مؤسسة تجارية تبيع الورق، بل أمام مشروع ثقافي يحمل هماً مجتمعياً، ويحاول ردم الهوة بين النخبة المثقفة والجمهور الباحث عن إجابات لأسئلة الراهن المعقدة، في وقت باتت فيه القراءة فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية ضد ضحالة المحتوى السائد.
تكمن أهمية هذه الدار الناشئة في فلسفتها التي تتجاوز النشر التقليدي إلى “صناعة الوعي”، فهي تقتحم مناطق الظل في التاريخ المعاصر والسجالات الفكرية التي يخشى الكثيرون الاقتراب منها، مقدمةً بذلك مادة دسمة تجمع بين الأدب الرفيع والتحليل السياسي العميق الذي يشرّح مآلات التحولات الديمقراطية وهواجس الهوية.
إن القيمة المضافة لمنشورات دار العلوي لا تنحصر في جودة الطباعة أو أسماء الكتاب، بل في شجاعتها المنهجية التي تمنح القارئ أدوات معرفية لفهم “سيرة الثورة” وما بعدها، محولةً التجربة الإنسانية والسياسية المريرة أحياناً إلى نصوص أدبية وفكرية تليق بذاكرة شعب لا يزال يكتب مستقبله بمداد من التساؤلات الوجودية الكبرى.
في هذا السياق، يتحول جناح الدار في المعرض إلى صالون أدبي مفتوح، يتجلى فيه دور الكاتب والناشر كفاعل اجتماعي يكسر الجدار الرابع بينه وبين المتلقي، مما يعطي للسياحة الثقافية في تونس بعداً إنسانياً جديداً؛ حيث لا يذهب الزائر لاقتناء كتاب فحسب، بل للمشاركة في حوارية فكرية ممتدة.

إن بروز “دار العلوي” بهذه القوة يعكس حاجة الساحة التونسية والعربية لمنابر تنشر الفكر الذي لا يهادن، وتنتصر للكلمة التي تبني وتفكك في آن واحد، لتثبت أن الريادة الثقافية لا تقاس بسنوات التأسيس بقدر ما تقاس بمدى ملامستها لنبض الشارع وعمق التراكم المعرفي الذي تطرحه في سوق عكاظ المعاصر، مؤكدةً أن الكتاب سيظل دائماً هو البوصلة الأصدق في رحلة البحث عن الذات والحقيقة.



