آخر الأخبار

بطاريات التخزين: “المحرك الصامت” لاستقلال تونس الطاقي وتسريع التحول الأخضر

شارك

جليلة كلاعي تونس

في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في فلسفة الطاقة الوطنية، بدأت تونس في تنزيل ملامح استراتيجيتها الطاقية الكبرى لعام 2030 على أرض الواقع. وبينما كانت التحديات المرتبطة بتقلبات إنتاج الطاقة البديلة تمثل “حجر عثرة”، برزت أنظمة تخزين الطاقة (ESS) كبطل تقني جديد، يقود البلاد نحو استقلال طاقي حقيقي ويقلص الارتهان التاريخي للغاز الطبيعي المستورد.
ثورة “الخلايا” الصامتة
لم تعد محطات الطاقة الشمسية والرياح في تونس مجرد حقول للمرايا والمراوح؛ بل تحولت إلى مراكز طاقة ذكية بفضل حاويات البطاريات العملاقة التي باتت تزين المواقع الاستراتيجية في الجنوب والوسط التونسي. هذه التقنية تتيح لتونس حل المعضلة الكلاسيكية: “كيف نستخدم شمس النهار لإنارة ليلنا؟”.
من خلال تخزين الفائض من الإنتاج خلال ساعات النهار القصوى، تضمن تونس تدفقاً مستقراً للكهرباء يتجاوز تقلبات الطقس، مما يعزز من ثقة المستثمرين في الشبكة الوطنية ويقلل من حالات الانقطاع المفاجئ أو اللجوء إلى “تخفيف الأحمال”.
أرقام تتحدث: نحو الـ 35% بحلول 2030
تؤكد المعطيات الرسمية لعام 2026 أن تونس قطعت شوطاً كبيراً في دمج التخزين ضمن نظامها الطاقي. فبموجب المخطط الوطني الشامل، تم إطلاق طلبات عروض لإنتاج أكثر من 2300 ميغاوات من الطاقات المتجددة، منها حصص هامة مرتبطة حصرياً بأنظمة التخزين. هذا التوجه لا يهدف فقط إلى تنويع المصادر، بل إلى تقليص العجز الطاقي الذي أرهق ميزانية الدولة لسنوات بسبب تكاليف استيراد الغاز التي تغطي أكثر من 90% من حاجيات الكهرباء.
الأبعاد الاقتصادية والبيئية: “فاتورة أقل، هواء أنقى”
يرى الخبراء أن التحول نحو التخزين يحمل فوائد ثلاثية الأبعاد:
اقتصادياً: توفير مئات الملايين من الدولارات سنوياً كانت تُصرف على استيراد الوقود الأحفوري، مما يساهم في توازن الميزان التجاري.
بيئياً: تقليل الانبعاثات الكربونية بشكل حاد، مما يضع تونس في ريادة الدول الملتزمة بـ “اتفاق باريس للمناخ” ويؤهلها للحصول على تمويلات خضراء دولية.
اجتماعياً: خلق آلاف مواطن الشغل الجديدة في مجالات الصيانة، التركيب، وإدارة الشبكات الذكية، خاصة في المناطق الداخلية.
STEG.. نحو شبكة رقمية ومرنة
تلعب الشركة التونسية للكهرباء والغاز دوراً محورياً في هذه المرحلة الانتقالية، حيث تعمل على تحديث البنية التحتية لتكون “مرنة” بما يكفي لاستيعاب التدفقات المتغيرة من محطات التخزين. القوانين الجديدة لعام 2026 سهلت أيضاً على الصناعيين والخواص الاستثمار في بطارياتهم الخاصة، مما يحقق نوعاً من “اللامركزية الطاقية” حيث يصبح المستهلك منتجاً ومخزناً في آن واحد.
تحديات وآفاق
رغم التفاؤل، تظل هناك تحديات تتعلق بالتكلفة الأولية العالية لهذه التقنيات وضرورة نقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات التونسية المختصة. إلا أن الانخفاض العالمي في أسعار بطاريات الليثيوم والتوجه نحو تقنيات أخرى مثل “بطاريات التدفق” و”الهيدروجين الأخضر” يبشر بمستقبل واعد.


تونس اليوم لا تكتفي فقط بمواكبة التحول الأخضر، بل تسعى لتكون “بطارية إقليمية” تربط بين ضفتي المتوسط، محولةً تحدياتها الطاقية إلى محرك لنموها الاقتصادي المستدام.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *