جليلة كلاعي تونس
في اللحظة التي تشرق فيها الشمس فوق مآذن قازان وكنائسها العريقة، لم تكن المدينة في هذه الدورة من منتدى “روسيا – العالم الإسلامي” مجرد نقطة التقاء جغرافية، بل تحولت إلى مختبر حيّ لصياغة نظام اقتصادي عالمي جديد يتجاوز القطبية التقليدية.
إن انطلاق فعاليات منتدى قازان الاقتصادي بمشاركة وفود من أكثر من مئة دولة، وفي مقدمتها تونس، يمثل إعلاناً صريحاً عن انتقال مركز الثقل نحو فضاءات جيوسياسية أكثر رحابة، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية مع الإرث الثقافي المشترك، وحيث لم تعد اللغة الاقتصادية تقتصر على الأرقام الصماء، بل أصبحت تتحدث بلغة “الهوية” و”الاستدامة” والقيم المشتركة التي تجمع موسكو بالعواصم الإسلامية.
إن الحضور التونسي في هذا المحفل الدولي لا يمكن قراءته كزيارة بروتوكولية عابرة، بل هو تحرك استراتيجي عميق في لحظة تاريخية فارقة تتسم بإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية.
تونس، بموقعها الجيوسياسي كبوابة للقارة الإفريقية ومنصة للربط مع المتوسط، تجد في قازان فرصة ذهبية لفك الارتهان للأسواق التقليدية والبحث عن بدائل استثمارية في قطاعات واعدة كالصناعات الحلال والتمويل التشاركي.
هذا العمق التحليلي للمشاركة التونسية يكشف عن رغبة في استثمار “الدبلوماسية الاقتصادية” لفتح آفاق أرحب للصادرات التونسية نحو السوق الروسية الضخمة، ولجذب رؤس أموال تبحث عن بيئات استثمارية آمنة ومحفزة في شمال إفريقيا، بعيداً عن تقلبات المشهد الغربي المضطرب.
وبينما تتزين قازان بلقب “عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026″، يبرز البُعد الثقافي كجسر متين يمرر من فوقه الصفقات الكبرى، فالاقتصاد هنا لا ينفصل عن الروح، والتبادل التجاري يتعزز بالتعارف الحضاري.
إن ما يشهده المنتدى من نقاشات حول الذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي، والسيادة التكنولوجية، يعكس وعياً جماعياً لدى الدول المشاركة، ومن بينها تونس، بضرورة بناء كتلة اقتصادية مرنة قادرة على الصمود أمام الأزمات.

وفي هذا السياق، تبرز قازان كنموذج للتعايش والازدهار، مقدمةً دروساً في كيفية تحويل التنوع العرقي والديني إلى وقود للتنمية، وهو ما يجعل من هذا المنتدى نقطة انطلاق حقيقية نحو مستقبل يسوده التعاون “الندّي” والاحترام المتبادل، بعيداً عن إملاءات المركزية الواحدة، ليرسم ملامح فجر جديد في العلاقات الروسية العربية التونسية.



