آخر الأخبار

القيروان: حين يرتدي الأغالبة رداء “الفن الرابع” في يوبيل المسرح الثلاثين

شارك

جليلة كلاعي تونس

في قلب تونس، حيث تتقاطع جغرافيا التاريخ مع قداسة الروح، لا تكتفي القيروان بأن تكون مجرد “مدينة مأذنة” أو حارسة لتراث الأغالبة العتيد، بل تصرّ في كل موعد ثقافي على أن تبرهن للعالم أنها مختبر حيّ للفكر والجمال. اليوم، ترفع هذه المدينة العريقة ستارها المخملي لتعانق الدورة الثلاثين لمهرجان المسرح الحديث، في احتفالية تتجاوز فكرة “العرض” لتصبح طقسًا لاسترداد الحداثة من قلب الأصالة. هذا المهرجان، الذي يطفئ شمعته الثلاثين، ليس مجرد حدث عابر في الأجندة الثقافية العربية، بل هو فعل مقاومة فني، وإعلان صريح بأن المدن التاريخية قادرة على احتضان أكثر الفنون تمردًا وتجديدًا، حيث تتصادى أصوات الممثلين مع عراقة الجدران لتخلق فضاءً دراميًا لا يشبه سواه.

إن القراءة التحليلية لهذا الزخم الثقافي تكشف عن وعي عميق بجدلية “الأثر والأثر”، فالمسرح الحديث في القيروان لا يأتي ليرقد فوق أطلال الماضي، بل ليستنطقها بروح العصر، محولًا الفضاء العام من ساحة للذاكرة الصامتة إلى منصة للحوار الفكري الجريء.

إن استمرارية هذا المهرجان لثلاثة عقود تشير بوضوح إلى نضج التجربة الركحية في الجهة، حيث لم يعد المسرح ترفًا نخبويا بل ضرورة اجتماعية تساهم في صياغة الهوية القيروانية المعاصرة. في هذه الدورة، يبدو أن الرهان قد انتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التثبيت الكوني، حيث تلتقي الهواية بالاحتراف، والورشات التكوينية بالعروض الكبرى، مما يخلق بيئة خصبة لإعادة تعريف “الفن الرابع” كأداة للتغيير والتنوير في مجتمعات تتوق للحرية والجمال.

وعلى المستوى السياحي والثقافي، يمثل المهرجان وجهة مغرية للباحثين عن “سياحة المعنى”، فهو يمنح الزائر فرصة نادرة لرؤية القيروان بعيون معاصرة، بعيدًا عن القوالب النمطية الجاهزة. هنا، يمتزج عبق بخور الجوامع العتيقة بصخب التدريبات المسرحية، وتتحول الأزقة الضيقة إلى كواليس ممتدة، مما يجعل من المدينة بأكملها “خشبة مسرح” شاسعة.

إن هذا التناغم بين الفضاء التاريخي والفن الطليعي يعزز مكانة تونس كقبلة للمثقفين العرب، ويجعل من مهرجان المسرح الحديث بالقيروان أيقونة للسيادة الثقافية التي تؤمن بأن الفن هو الجسر الأقوى لربط الإنسان بماضيه، ودفعه بكل قوة نحو آفاق المستقبل الرحبة، مؤكدًا أن عاصمة الأغالبة ستظل دومًا منارة تضيء دروب الفكر بوهج الخشبة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *