جليلة كلاعي تونس
في قلب المرتفعات التونسية، حيث تلتقي قمم جبال “خمير” بسماء الشمال الصافية، يتبلور اليوم مشهد سياحي جديد يعيد صياغة مفهوم السفر بعيداً عن صخب المنتجعات الضخمة، حيث باتت “بيوت الضيافة” (Maisons d’Hôtes) في مثلث عين دراهم وطبرقة وبني مطير هي الوجهة الأكثر جاذبية للباحثين عن الأصالة والسكينة.

ومع حلول فصل الربيع، تتحول هذه المنطقة إلى جنة خضراء تفيض بالحياة، مستقطبةً آلاف الزوار التواقين لتريند “الهروب إلى الطبيعة”، وهو توجه عالمي وجد في تضاريس تونس الوعرة ملاذاً مثالياً يمزج بين بساطة الحياة الريفية وتفاصيل الرفاهية الهادئة.

بني مطير، تلك القرية الحالمة التي تتربع فوق سدها الشهير، باتت اليوم أيقونة السياحة الجبلية، حيث توفر بيوت الضيافة الخشبية فيها تجربة استثنائية تجعل الزائر يشعر وكأنه في قلب جبال الألب، لكن بنكهة تونسية أصيلة تفوح منها رائحة “خبز الطابونة” وزيت الزيتون الجبلي.

أما عين دراهم، غابة تونس الكبرى، فقد نجحت في التحول من محطة عابرة إلى وجهة إقامة مطولة، بفضل مسالك المشي (Hiking) التي تتخلل غابات البلوط والفرنان، حيث يجد المغامرون في “التخييم الفاخر” أو ما يعرف بـ (Glamping) فرصة للنوم تحت النجوم في خيام عصرية مجهزة بكل سبل الراحة، دون المساس بحرمة الطبيعة أو التخلي عن روح المغامرة.

هذا التحول نحو السياحة البديلة في طبرقة وجوارها لم يكن مجرد صدفة، بل هو استجابة لرغبة الجيل الجديد في “التخلص من السموم الرقمية” والعودة إلى الجذور، حيث يفضل السياح اليوم الإقامة في بيوت حجرية دافئة تديرها عائلات محلية، مما يضمن لهم تجربة إنسانية غنية ومذاقات طبخ ريفي تقليدي لا تقدمه الفنادق الكبرى. إن الإقبال الهائل الذي يشهده الشمال الغربي حالياً يعكس وعياً سياحياً جديداً يثمن البيئة ويجعل من الغابة والوادي والجبل أبطالاً لقصة سفر لا تُنسى، مما يجعل تونس تتصدر المشهد العربي في تقديم منتج سياحي ريفي متكامل يجمع بين سحر الموقع وعمق التجربة.



